الشيخ أطفيش القطب مفسرا
الجزء ١ · صفحة ٢٣٠من تفسيره، يتركز أكثرها في الجزأين الخامس والسادس منه خاصة. وكان يقصد من إيرادها إلى أكثر من هدف. فهو عادة يستشهد بها على سبيل الاستئناس خدمة للمعنى من حيث بيانه وتوضيحه، وأحيانا أخرى يأتي بها من أجل الاحتجاج في المسائل اللغوية أو البلاغية أو غيرها.
ولعل من أهم الأمثلة التي استوقفتنا فيما يتعلق بهذا المصدر التفسيري، تلك التي تبيّن اهتمام الشيخ اطفيَّشْ بقواعد الاستشهاد بالشعر، وإن كانت هذه الأمثلة تعدّ نادرة بالنسبة لغيرها. فهو يبدو فيها حريصا على تأصيل المعنى وتأكيده من خلال استعراض نموذج من أشعار العرب، وربّما لا يذكر اسم الشاعر وهو الغالب ولكن الأبيات التي يوردها لا تخرج عن المراد.
نذكر من ذلك استشهاده ببيت شعر على لغة طي، نسبة لشاعر منهم لم يذكر اسمه، وقد جاء به من أجل بيان معنى الزمهرير، في قوله تعالى: ﴿لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلاَ زَمْهَرِيرًا﴾ (الإنسان؛13)(1)، وهذا البيت يقول:
ولَيْلَةٍ ظلامُها قدِ اعتكَرْ **** قطعْتُها والزمهريرُ ما زهَرْ
وقد يستشهد الشيخ اطفيش أيضا بأشعار لعلماء اللغة من أجل تأكيد قاعدة لغوية تعرّض لها من خلال تفسيره لآية ما، ومثال ذلك نجده عند تفسيره لأول سورة غافر وهو قوله تعالى: ﴿حم تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (غافر؛01)، حيث تعرّض لصيغة الجمع في لفظ "حم" وقال إنه « .. جمع على القياس على فواعيل، بإبدال ألف (حا) واوا، وهو عربي .. »(2)، وأورد أشعارا لأبي عبيدة اللغوي، يقول فيها:
حلفت بالسبع التي تطوّلت *** ويمين بعدها قد أمنيت
وبثمان تُليَت وكُرّرت *** وبالطواسين التي قد تُليت
وبالحواميم اللواتي سُبّعت *** وبالمفصّل التي قد فُصّلت
وكما أنه رحمه الله لا يهتم بالاستشهاد بشعر الشعراء عند تقرير قاعدة لغوية، فإنه قد لا يعير اهتمامه أيضا لصحة الأشعار المستشهد بها أو ضعفها، وربما كانت مصنوعة أو منتحلة، فهو يتجوّز في الاستشهاد بأشعار المجهولين(3)، لمجرد موافقتها لقواعد اللغة(4).
وإلى جانب اهتمامه بالقضايا اللغوية المحضة، أو الصناعة النحوية بالخصوص، فإنّه رحمه الله قد استشهد بأشعار فحول الأقدمين أمثال الخنساء وزهير وامرئ القيس، وبأشعار المتأخرين، مثل الكميت وجرير والمتنبي وغيرهم. وكثيرا ما يستشهد بأشعار لا يذكر أصحابها، وربما استأنس أيضا ببعض أشعاره الخاصة.
(1) - ينظر: تيسير التفسير، ج6، ص 443.
(2) - اطفيش محمد بن يوسف، تيسير التفسير، ج5، ص 97.
(3) - لقد ذهب فريق من النحاة إلى جواز الاستشهاد بأشعارٍ أصحابها مجهولون. فقد استشهد سيبويه في كتابه بنحو خمسين بيتا مجهولة المصدر. يراجع: محمود زلط، منهج القرطبي في التفسير، دار الأنصار، القاهرة، (د. ت) ص286.
(4) - ينظر: تيسير التفسير، ج5، ص 511.