الشيخ أطفيش القطب مفسرا يحيى بوتردين

الشيخ أطفيش القطب مفسرا

الجزء ١ · صفحة ٢٣٢

إنّ الشيخ اطفيَّشْ في تفسيره الآية الكريمة: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَاوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الاَلْبَابِ﴾ (آل عمران؛07)، فإنّه جعل لفظ متشابه في الآية محتملا لتفسيرين، أحدهما أنه لا يعلمه إلا الله، وذلك لشدة غموضه وإبهامه، وعليه فلا يجوز تأويله، وهو مذهب جماعة من السلف، كأُبيّ بن كعب وعائشة رضي الله عنهما(1). والآخر أنّه مما يعلمه العلماء، وذلك بمزيد تأمّل وإمعان(2). وعليه، فإنّ التأويل يكون جائزا في حقه، وقد نُسب هذا المذهب إلى ابن عباس فيما نقله عنه مجاهد، أنه قال: «أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله»(3). وابن عباس قد خصّه رسول الله. - صلى الله عليه وسلم - بالدعاء المشهور الذي قاله في حقه: «اللهم فقِّهْه في الدين وعلِّمْه التأويل».

وانطلاقا من هذا، فإن الشيخ اطفيَّشْ قد أطلق العنان لنفسه في تأويل المتشابه وطلب معناه، والغريب أنه لم يقتصر في ذلك على النوع الذي يكون حكمه ردّه إلى المحكم، ولكنه حاول أن يجاري بعض المتقدمين(4). في تأويل بعض الآيات المتشابهات التي لا يعلمها إلا الله، مثل الحروف المقطّعة. وهذا بالرغم من أنه قد أعلن بنفسه وفي أكثر من مناسبة، أنها مما استأثر الله بعلمه، ومع ذلك فقد حاول أن يفك رموز هذه الحروف معتدًّا بنفسه أحيانًا(5).

وبالرجوع إلى تفسير الشيخ نجده لا يتوانى في طلب معنى المتشابه من آيات الصفات، وخاصة منها ما يوهم ظاهره التشبيه في حق الباري - عز وجل - المتصف بالوحدانية المطلقة، والمنزّه عن كل نقص(6). في حين نجده لا يؤوّل أحيانا، ومثال ذلك عندما أثبت الجسمية للعرش، في تفسير قوله تعالى من سورة طه: ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه؛05)(7).

وعلى كل حال يمكن القول إن الشيخ اطفيَّشْ قد تعامل مع نصوص القرآن الكريم بعلم، مستعملا جميع مصادر التفسير المتعارف عليها بين العلماء، وقد كان موقفه من التأويل دليلا ساطعا، يبيّن لنا كيفية إعماله للعقل، والحدود التي تضبط هذا العقل، فإذا كانت اللغة والبلاغة أو المجاز على وجه التحديد، قد فتحا له مجالا واسعا في تأويل بعض الآيات المشكلة أو الغريب لفظها، فإن العقل هو أيضا وعن طريق مبدأ التنزيه المطلق الذي يتمسك به الإباضية في مفهومهم لعقيدة التوحيد، قد فتح له المجال لسبر أغوار المتشابه الغامض، وخاصة منه آيات الصفات الخبرية التي يفيد ظاهرها التشبيه والتجسيم والتحيّز .. وغيرها من المعاني التي لا تتفق ومعنى آية

(1) - محمد رشيد رضا، تفسير المنار، طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1972، ج3، ص138.

(2) - اطفيش محمد بن يوسف، تيسير التفسير، ج1، ص 442.

(3) - ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج1، ص 348/ 349.

(4) - لقد خاض في مثل هذا كثير من المفسرين، على الرغم من إجماع العلماء على أنها من المتشابه المبهم. ينظر: ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج1، ص 36 وما بعدها. – السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج3، ص 334 وما بعدها.

(5) - ينظر: تيسير التفسير، ج1، ص437/ 438.

(6) - ينظر: تيسير التفسير، ج6، ص 390. ج2، ص 123. ج5، ص 37/ 38. ج5، ص 610.

(7) - ينظر: تيسير التفسير، ج4، ص 87/ 88.

٢٣ / ٢٥