الشيخ اطفيش القطب حياته، وآثاره، وفكره
الجزء ١ · صفحة ٤٩٢المشمول بهذه العناية بحسب الاتفاقيات هو الإنسان غير المشترك في الحرب، والإنسان غير القادر على مواصلة الاشتراك في الحرب، والمقصود بالمثال الأول المدنيون الذين يعتزلون الحرب، ولا يشتركون فيها، والمقصود بالمثال الثاني الأسرى، والجرحى من المحاربين (9)، وأما الأعيان، والممتلكات المحمية بموجب الاتفاقيات فهي الأعيان المدنية، والمراد منها كافة الأهداف التي لا تعتبر عسكرية بالمفهوم العسكري، ويعتبر الهدف عسكريا إذا كان يخدم هدفًا عسكريًّا، أو محميًّا عسكريًّا (10).
2 - تطور القانون الدولي الإنساني:
وبحلول القرن الثامن عشر، بدأ الاهتمام بمصير الأشخاص أثناء المعارك، وبدا ذلك واضحا من آراء فلاسفة التنوير، حيث عارض (مونتسكيو)، و (روسو) فكرة إباحة الرق، وجعلاَ الحرب سببًا من أسبابه، أو مُبررًا من مبرِّراته، وفرَّق الاثنان بين المقاتلين، وغير المقاتلين، واعتبر (مونتسكيو)، أن قانون الشعوب يقوم على المبدأ القائل: إن على مُختلف الأمم أن تُغَلب جانبًا كبيرًا من الخير أثناء السلم، وتحجم عن الشر قدر الإمكان أثناء الحرب،
بينما اعتبر (روسو)، أن الحرب علاقة دولة بدولة، والمقاتلون فيها مجرد وسيلة قتال، تنتهي صفة العدو منهم بمجرد انتهاء المعارك (11).
ولم تحظ المبادئ العرفية للقانون الدولي الإنساني رغم ذلك بالاحترام الكافي خلال النزاعات التي نشبت في تلك العصور، حتى سنة (1859م)، حيث دارت رحى معركة ضروس على أرض سولفرينو، بمقاطعة لومبارديا، بإيطاليا، اصطدم فيها النمساويون مع الفرنسيين، والإيطاليين، وكانت موقعة (سلفرينو) واحدة من أكثر المعارك دموية في التاريخ.
وكان ممن شهد الموقعة شاب سويسري، هو (هنري دونان)، الذي أفزعته المجازر الرهيبة ومشهد الجرحى المكدسين وهم يموتون متأثرين بآلاَمٍ رهيبة، وأمام هول الأحداث، ألَّفَ (هنري دونان) (12) كتابا أسماه " تذكار سلفرينو "، يروي هذه المشاهد المروعة، وقد تملكته رغبة في عدم تكرارها، وتَمَنَّى أن تنشأ في كل بلد جمعية تطوعية، تعد نفسها في زمن السلم لتقديم الخدمات الصحية للجيش في وقت الحرب، وأن تُصادق الدُّول على مبدأ اتِّفاقيٍّ، ومُقَدَّسٍ يؤمِّنُ الحماية القانونية للمستشفيات العسكرية، وأفراد الخدمات الطبية (13).
وسرعان ما بدأت هذه الأمنية تأخد مكانا لها على أرض الواقع، حيث تم إنشاء مؤسسة الصليب الأحمر الدولي، وبعد ذلك بزمن يسير تمَّ عَقدُ أول اتفاقية ذات طابع إنساني هي اتفاقية جنيف لسنة (1864م)، بعد جهود دَفعت الحكومة السويسرية إلى عقد مؤتمر دولي حضرته ستة عشر دولة، أين أُبرمت هذه الاتفاقية الدولية المكوَّنة من عشرة مواد بسيطة،