الشيخ اطفيش القطب حياته، وآثاره، وفكره (ملامح القانون الدولي الإنساني في مؤلفاته) عمر نسيل

الشيخ اطفيش القطب حياته، وآثاره، وفكره

الجزء ١ · صفحة ٤٨٧

الشيخ اطفيش القطب حياته، وآثاره، وفكره

أ/ عمر نسيل، قسم الحقوق

المركز الجامعي غرداية

تمهيد

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

لاشك أن شريعة المولى تبارك وتعالى كتابًا وسنّةً، هي خير نظامٍ يصلح لبني البشر، ذلك أنها شريعة نزلت من لدن حكيم خبيرٍ، تنزَّهت عن كلِّ نقصٍ وعيبٍ، وكمالها من كمال منشئها، لا تحُولُ ولا تَزُول، ولا تتأثر بتغير الزمان والمكان، والإسلام باعتباره دينًا، ومنهاجًا للحياة، أشْبَهَ ما يكون بالخطِّ المستقيم الذي يكشف اعوجاج الخطوط الأخرى، التي لا تتَّصِفُ بصفاته، ولا تختَصُّ بخصائصه، وقد أولى الفقه الإسلامي عناية فائقة بقانون الحرب، أو ما بات يعرف اليوم بالقانون الدولي الإنساني، والذي يعني احترام الكرامة الإنسانية أثناء القيام بالأعمال الحربية.

الأصلُ في الحُروب إذا نَشِبَت، أن يُغيَّبَ فيها نداءُ العقل، وتَطْغَى فيها نزواتُ الشرِّ، وتُهَيمِنَ الرَّغبَةُ في الانتِقامِ، وقَهرِ الآخر، وإذلالِه، بكلِّ الوَسَائِلِ المتَاحَةِ، ولما كان هذا دَيدَنُ الحرُوب، لم يُؤمن في الغالب الأعمِّ أن يَستَعِرَ بنار الحرب، من ليس له علاقة بها لاعتبارات بَدنيَّةِ، أو نَفسِيَّة، أو غير هذا، وذاك ممن استَثْنَتهُ الشَّرَائِعُ، والأعراف، والقوانين، وأمام التَّطَوُّرِ الهائل الذي شَهِدَهُ عَصرُنَا في وسائل التَّخريب، وأسلحة الدَّمَار، أصبح مِنَ البَدِيهيِّ دُخُول هذه الفِئَات في عِدَادِ الضَّحَايَا، بل إنَّ المُخِيفَ أن أكثر الضَّحَايَا، هُم ممن نهت الشَّرَائِع، والقَوَانِين عن استهدافِهِم بالعَمَلِيَّات الحربية.

والإسلام بطبعه هذّب فكرة الحرب، وحَدَّدَ مَقَاصِدَهَا، فالحربُ الإسلامية لا تُثِيرُهَا الأطماع السِّيَاسية، ولا التَنَازُعُ على المصَالح الدولية، وإنما هي الحرب من أجل الإنسان، وتحرِيرِهِ من عُبُودِيَّةِ المخلُوقِ إلى عُبُودِيَّةِ الخَالِقِ، ومن ثم فقد استثنى فقهُنَا الإسلاميُّ طائِفَةً كبِيرَةً من فِئَاتِ المجتَمَعِ، وحَرَّم قَصدَهُم بالعمليَّاتِ الحربِيَّةِ. ولاشك أن تراث العلامة القطب محمد بن يوسف اطفيش (رحمه الله)، يعد جهدا من الجهود التي تصب في هذا المجال.

١ / ١٧