الشيخ اطفيش – القطب - ودوره في التواصل الحضاري بين الجزائر وعمان محمد بن أحمد جهلان

الشيخ اطفيش – القطب - ودوره في التواصل الحضاري بين الجزائر وعمان

الجزء ١ · صفحة ٧٦

إن مراسلات القطب مع العُمانيين من أفضل الوسائط التي تمكننا من رصد "حرارة" التواصل بين الجزائر وعمان في بواكير عصر النهضة، فإن دراسة هذه المراسلات - أو ما بقي منها - من شأنه أن يسلط الضوء على فترة بقيت إلى عهد قريب خارج دائرة اهتمام الباحثين، قبل أن تتوفر وسائل الإتصال والتواصل الحديثة عناء الترحال ولمعرفة الأحوال …

ومن طريف ما نقرأ في مراسلات القطب مع العمانيين أننا نجد القطب مهتما أيما اهتمام بإبقاء الروابط بين الطرفين والحرص على عدم انقطاعها، فنجده يقول "لشيخ البيان" محمد بن شيخان: «كيف أحوالك وأحوال من معك، وأنا توحَّشت من انقطاع كتبكم عني بعد ترادفها وتواليها، فأخبروني ما السبب في ذلك»(1)، وقال لصاحبيه نورالدين السالمي وعيسى بن صالح الحارثي: «وصلني كتابكما، وفرحت به لبقاء المحبة والاتصال في أمر الدين»(2)، وقال: «اعلما أنه وصلني كتابكما وفرحت به فرحا كبيرا لطول الفترة، وضيقي بعدم وصول الكتابين إليكما في ظني، والحمد لله إذ وصلا»(3).

لطالما مثل العمانيون للقطب مرآة لنهجه الفكري ودعما معنويا قويا لآرائه الإصلاحية التي قوبلت بالرفض في وطنه، كما أسلفنا في أول هذا البحث، فقد عبر عن حبه الصريح للعمانيين في شرح النيل: وَلِشِدَّةِ حُبِّي لأَهْلِ عُمَانَ وَأَهْلِ زِنْجِبَارَ مِنْ أَصْحَابِنَا، ( … ) وَلِنَفْعِهِمْ إيَّايَ بِإِرْسَالِ الْكُتُبِ أَكْثَرَ مِنْ وَقْرِ الْبَعِيرِ، وَلإِهْدَائِهِمْ إلَيَّ أَشْيَاءَ جَلِيلَةً، وَلاتِّبَاعِهِمْ إيَّايَ فِي أَقْوَالِي وَتَرْجِيحَاتِي … »(4).

ولذلك كان القطب يشعر بالأريحية مع العمانيين وبخاصة مع الإمام نورالدين السالمي، ومع الشيخ عيسى بن صالح الحارثي، ومع الشاعر ابن شيخان السالمي. فهو يبثهم شكواه من الظروف الاجتماعية العصيبة التي يعيش فيها القطب، من سياسة تجهيل استعمارية، ورفض اجتماعي لأفكاره الإصلاحية، وهذا كله مقترن بحالة مادية مزرية … ففي بعض رسائله لابن شيخان يقول: « .. فليس تأخير الجواب تفريطا مني، ومع ذلك يا أخي لو علمت ما بي من الأشغال وفتن الأعداء لعذرتني»(5). وقال للإمام السالمي: «واعذرني يا أخي في تأخير الجواب بعض تأخُّر، وما ذلك إلاَّ لأهوال عظام عليَّ من النصارى وأهل بلدي»(6)، وقال للإمام محمد بن عبد الله الخليلي شيئا قريبا من ذلك: «وافاني سؤالك في حال اضطراب أهل البلد عليَّ وعدم الانقياد للحق، أعانني الله عليهم وعلى أهل الشرك»(7).

ويمكن أن نستنتج من كلام القطب المتقدم في شرح النيل أنه قد وجد في العمانيين بعض الدعم المادي إضافة إلى الدعم المعنوي، فلم يكن القطب يخفيهم ظروفه المادية

(1) - اطفيش، «كشف الكرب». ج1. ص: 9.

(2) - م ن. ج1. ص: 5.

(3) - م ن. ج1. ص: 45.

(4) - اطفيش: «شرح النيل» (باب زكاة الفطر). ج6، ص: 456. (قرص: المكتبة الإباضية الشاملة).

(5) - اطفيش: «كشف الكرب». ج1. ص: 86.

(6) - اطفيش: «كشف الكرب». ج2. ص: 55.

(7) - اطفيش: وثيقة بعنوان: «جواب القطب للشيخ محمد بن عبد الله بن سعيد الخليلي وأبيه والشيخ أحمد بن سعيد، والأخ علي (؟) والأصحاب من عُمان وزنجبار، في مسائل نحوية وبيانية ولغوية». بدون تاريخ. ص14. مكتبة القطب. بني يسجن.

٢٥ / ٣٠