الشيخ اطفيش – القطب - ودوره في التواصل الحضاري بين الجزائر وعمان محمد بن أحمد جهلان

الشيخ اطفيش – القطب - ودوره في التواصل الحضاري بين الجزائر وعمان

الجزء ١ · صفحة ٨٠

والمغرب والآفاق رغم المضايقات، ومحاولات التشويه والمحاصرة. وقد توصلت دراستنا من خلال تأمل الفترة التي عاش فيها قطب الأئمة وعلاقته وعلاقة مشايخه بأهل عُمان إلى استخلاص النتائج التالية:

1 - لقد كان التواصل بين عُمان والجزائر امتدادا للعلاقة الوطيدة التي ربطت إباضية المغرب والمشرق منذ القرن الثاني للهجرة، وشعورُ المغاربة بالولاء والارتباط بمنبع الفكر الدعوي الإباضي جعلهم حريصين على إبقاء عرى التواصل والمحافظة عليها، وكان ذلك سببا رئيسيًّا مهمًّا للمحافظة على كيان المذهب الإباضي وبلورة آرائه وتفاعل أفكاره مشرقا ومغربا.

2 - رعاية عُمان للجزائر ولبلاد المغرب متجذرة في التاريخ ولا ينكرها إلاَّ جاحد، فحملة العلم إلى المغرب، وقيام الدولة الرستمية، ودعم شوكتها ماديا وأدبيا، كلها عوامل شدَّت أهل المغرب ليبقوا في اتصال تام مع أهل المشرق: بالاستفاء، والاستشارة، والتكوين، والرعاية والشعور الأخوي الإسلامي المتبادل.

3 - إن من أهم أسباب اتصال الشيخ اطفيش "القطب" بعُمان وبعلمائها وبالفكر المشرقي بشكل عام، تلك المكتبات الغنية بالكنوز المشرقية العُمانية التي حُظي بها، وتفتحت بين يديه من شيخه عبد العزيز الثميني، وكذا من مُعلِّمَيه الشيخ ازبار وأخيه الأكبر إبراهيم، اللذين نهلا من العلم في عُمان، وخلَّفا بين يدي القطب ذخائر ما جلباه من مؤلفات العُمانيين، فكانت سببا في انفتاح القطب على الفكر المشرقي واحتوائه. فتواصلُ القطب مع عُمان ليس طفرة في الزمن، وإنما هو ثمرة لجهود سابقيه، وبناء فكري متجذِّر بين المشرق والمغرب، قد يضعف أحيانا وقوى أخرى، ولكنه لم ينقطع أبدا.

4 - بعد أن تمثل القطب الفكر المشرقي والمغربي معا وألف أعماله الموسوعية الشهيرة كهميان الزاد، وشرح النيل، وتيسير التفسير، فإنَّ العمانيين استقبلوا تلك الأعمال بحفاوة كبيرة وإجلال منقطع النظير، فكان حضور الشيخ اطفيش القطب قويا في الفكر العماني منذ ذلك الوقت؛ أي منذ مطلع القرن الرابع عشر الهجري، ولقيت تآليفه صدى كبيرا في عُمان وزنجبار والمشرق فأقبل العلماء عليها شارح واختصارا ونظما، وكان العمانيون يرون في القطب عالم المشرق والمغرب، عالم الإباضية جميعًا، فكانوا يستفتونه ويستكتبونه، وكان القطب يجيبهم إلى ما يدعونه إليه من تأليف، ويردُّ على أسئلتهم، ويتكبد نسخ مؤلفاته وإرسالها إليهم، حبًّا لهم وإكراما، وحفاظا حبل التواصل، رغم الظروف المادية والأدبية العصيبة التي كان يعيشها القطب والجزائر تحت نير الاستعمار والجهل والفقر والفتن.

٢٩ / ٣٠