الشيخ اطفيش – القطب - ودوره في التواصل الحضاري بين الجزائر وعمان محمد بن أحمد جهلان

الشيخ اطفيش – القطب - ودوره في التواصل الحضاري بين الجزائر وعمان

الجزء ١ · صفحة ٥٤

أولا: السياق التاريخي للتواصل بين الجزائر وعُمان:

أ) من البصرة وعمان إلى بلاد المغرب … جذور التواصل

لقد اختار الإباضية عند نشأتهم تسمية معبرة عن الروح التي يتأسس عليها مذهبهم، وهي «أهل الدعوة»(1) شعورا منهم بضرورة الدعوة إلى الحق الذي يحملونه، ومعلوم أن صاحب الدعوة لا يمكن أن يقرَّ له قرار حتى يبذل ما بالإمكان لنشر دعوته في كل الأصقاع. بل إن الدعوة إلى دين الله في الفكر الإباضي واجبة إن تحققت الاستطاعة، يقول أبو المؤثر الصلت بن خميس (ت: 278هـ)(2): «فإن استطاعوا أن يتعدَّوا مصرهم إلى غيرهم وجب ذلك عليهم كلما قدروا عليه، فليدعوا الناس إلى الدخول إلى دين الله والتسليم للعدل»(3). على أن الإباضية قد مروا بظروف عصيبة فقد اضطهدوا وشردوا، وصودرت آراؤهم، وشوهت صورتهم عند بعض كتاب المقالات، فاضطروا إلى العمل بسرية وكتمان، وساروا في الأرض وارتحلوا من مكان إلى مكان، لنشر أفكارهم والدعوة لمذهبهم.

كان مركز الدعوة الإباضية ومنطلقها في البصرة بالعراق على يد مؤسس المذهب وإمامه جابر بن زيد الأزدي العماني (و: 18هـ / 639م - ت: 93م/ 711م) إذ اتخذ من البصرة مقرا له ينشر فيها العلم، فلقد كان منبت إمام المذهب في عُمان، ولقد كانت البصرة آنذاك عمانية لكثرة طلبة العلم العمانيين فيها، وكان لهذا الرعيل الأول فضل تأسيس أول إمامة إباضية في عُمان، لذلك تعد عُمان هي موطن الإباضية الأول، وما زالت إلى اليوم. وشعورا بهذه المكانة فإن بعض العمانيين يعبر عنها بقوله: «باض الدين بمكة، وفرخ بالمدينة، وطار إلى البصرة، ونهض إلى عُمان»(4).

كان لأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي (القفَّاف) (ت ~: 145هـ / 762م) أمام الإباضية الثاني بعد جابر بن زيد، أكبر فضل في نشر أفكار أهل الدعوة في الآفاق، ففي مدرسته بسرداب بالبصرة تخرج على يده أشهر أئمة الإباضية ودعاتها، فكان من المشارقة: الربيع بن حبيب بن عمر الأزدي الفراهيديِّ العُماني (ت: 170هـ)، وأبي سفيان محبوب بن الرحيل بن سيف (ت: 2هـ)، وأبي يزيد الخوارزميِّ (ت: 2هـ)، وأبي حمزة المختار بن عوف الشاري (ت:130هـ)، وعبد الله بن يحيى الكندي طالب الحقِّ (ت: 130)، والجلندَى بن مسعود بن جيفر (ت: 134هـ)، وأبي الخطَّاب عبد الأعلى بن السمح المعافري اليمنيِّ (ت: 144هـ)، وسلمة بن سعد الحضرمي (حي في 135هـ) وهو أول من جاء من البصرة بمذهب الإباضية ليدعوا إليه في بلاد المغرب الإسلامي، ولَعَلَّ توجُّه محمَّد بن عبد الحميد بن مغطير النفوسي

(1) - ظهرت التسمية وانتشرت منذ القرن الثاني للهجرة، "أهل الدعوة" أو "أهل الدعوة والاستقامة"، أما تسمية الإباضية فقد أطلقت عليهم نسبة إلى عبد الله بن إباض المري التميمي (ت 86هـ) لمواقفه السياسية المعلنة ضد مخالفي الإباضية، ولم تظهر هذه التسمية في مؤلفات أهل الدعوة إلا في نهاية القرن الثالث الهجري، ولكنَّهم رضوا بهذه النسبة بعد ذلك. راجع مزيدا من التفصيل في: مجموعة من الباحثين: «معجم مصطلحات الإباضية». نشر وزارة الأوقاف والشؤون الدينية. سلطنة عمان. ط1. 1429هـ / 2008م. ج1. ص: 2 - 8، 80، 81.

(2) - عالم فقيه من قرية بهلا بعمان، من علماء الأزد الخروصيين البارزين في القرن الثالث الهجري، ترك عدة مؤلفات وجوابات. تنظر ترجمته في، جمعية التراث: «معجم أعلام الإباضية» (قرص مدمج) (ترجمة لأكثر من 2500 علم من أعلام المغرب والمشرق وخراسان) نشر جمعية التراث 2005. رقم الترجمة: 717

(3) - مجهول: «السير والجوابات لأئمة وعلماء عُمان». تح/ سيدة إسماعيل كاشف. نشر وزارة التراث القومي والثقافة. ط2. 1410هـ/ 1989م. ص: 14.

(4) - سالم بن حمد الحارثي: «العقود الفضية في الأصول الإباضية». نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان. 1403هـ/ 1983م. ص: 148. ولقد سمعت العبارة عدة مرات من أستاذي المرحوم الشيخ الناصر بن محمد المرموري (ت: 16/ 05/2011) بتحوير مقصود لآخرها: (ونهض إلى الآفاق) بدل (ونهض إلى عُمان).

٣ / ٣٠