الشيخ اطفيش – القطب - ودوره في التواصل الحضاري بين الجزائر وعمان
الجزء ١ · صفحة ٥٦السدراتي (ت: 141هـ)(1).
توجَّهوا إلى البصرة سنة 135هـ/752م، واستقرُّوا بها إلى سنة 140هـ/757م، لتلقِّي العلم من منبعه على يد أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة؛ ثمَّ عادوا إلى بلاد المغرب ومعهم أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري اليمني، عُرفوا في المصادر وكتب التاريخ «بحَمَلة العلم إلى المغرب».
وقد نجحت جهود سلمة بن سعد في الدعوة الإباضية، وكان يقول مع نفسه قبل ذلك: «وددت أن لو ظهر هذا الأمر من أوَّل النهار إلى آخره فلا أبالي إن متُّ بعد ذلك». وكلُّ ذلك حرصاً في الدعوة، وإيماناً بالمذهب وصواب نهجه؛ فانتشرت الإباضية في بلاد المغرب الإسلامي منذ ذلك اليوم.
كما عرفت الإباضيَّة تحت إمامة أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة لأوَّل مَرَّة في تاريخها نشأة دولها في المشرق والمغرب، كدولة طالب الحقِّ باليمن والحجاز، ودولة الجلندَى بن مسعود في عُمان، ودولة أبي الخطَّاب عبد الأعلى بن السمح المعافري في إِفرِيقيَّة.
ولما قامت دولة أبي الخطَّاب عبد الأعلى بن السمح في طرابلس سنة 140هـ حرص إباضية المغرب على توطيد علاقتهم بإمام المذهب الثاني أبي عبيدة وبإخوانهم في المشرق، فمما تحفظه كتب التاريخ أن إباضية المغرب وجهوا رسالة إلى أبي عبيدة يخبرونه فيها بقيام الدولة واستقرار شؤونها ويسألونه فيها بعض مسائل، فأجاب أبا الخطاب الخطاب المعافري برسالة جاء فيها: «أتانا كتابكم تذكرون فيه ما منَّ الله به عليكم من جمع كلمتكم وائتلاف أمركم في كثرة من بحضرتكم من أهل الخلاف لكم، ولعمري ما كثرتهم وإن كثروا بأكثر ممن كان قبلهم على من كان قبلكم من سلفكم، فاقتدوا بهم تهن عليكم كثرتهم.
( … ) فلعمري سرَّني ما انتهيتم إليه من أمركم، وإن كان ذلك لم يَخْفَ عنَّا، غير أننا لم نظنَّ الذي كتبتم به إليَّ، والله سيتمُّ لكم الخير كلَّه بعونه وتوفيقه»(2).
إن هذه الرسالة تكشف عن مدى توطد العلاقة الروحية بين إباضية المشرق والمغرب، وكيف أن عُمان قد أخذت مركز القيادة والإشراف بالنسبة للإباضية مشرقا ومغربا، فإمام المذهب عماني كما رأينا، وعلماؤه الأوائل من أصول عمانية، وحتى انتشاره في البصرة كان بين عمانيين أو ينحدرون من أصول عمانية، ولقد رأينا قبل حين أن كل من قام بالتعليم والإعداد وإرسال حملة العلم من البصرة إلى المشرق والمغرب كانوا كلهم عمانيين.
(1) - تفاديا للاستطراد، فإنا اقتصرنا على ذكر تاريخ وفاة هؤلاء الأعلام، ولمزيد من التفاصيل حول تراجم الأعلام الواردة في هذا القسم يرجى مراجعة «معجم أعلام الإباضية» (قرص مدمج) (ترجمة لأكثر من 2500 علم من أعلام المغرب والمشرق وخراسان) نشر جمعية التراث 2005.
(2) - أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة: «رسالة مسلم بن أبي كريمة في الزكاة للإمام أبي الخطاب المعافري». سلسلة "تراثنا". عدد: 34. نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان. سنة 1982. ص: 3.