الشيخ العلامة قطب الأئمة أطفيش عالما ومجاهدا إبراهيم حاج محمد

الشيخ العلامة قطب الأئمة أطفيش عالما ومجاهدا

الجزء ١ · صفحة ٨٣

مزاب بالاحتلال الفرنسي، ناسين أو متناسين أن القُطب يعتقد جازمًا أن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، مردِّدًا هذه العبارة الأخيرة في كلِّ مرة معتزًّا بالإسلام أيما اعتزاز.

وكان يستدعى مرَّات إلى التحقيق بسبب تجرئه المستمر على السلطات الاستعمارية في بلدته وسائر قرى مزاب، حتى إنه فُتِّش وسُئل مرَّات عن وضعه الطابع البريدي مقلوبًا إلى الأسفل على ظروف البريد، وقد يبدُ للبعض بأن هذا السلوك الأخير تصرف ساذج، إلاَّ أنه في حقيقة الأمر شكل من أشكال الرفض الصريح والمتواصل لكل أشكال تواجد المستعمر. فلما اشتد غضب الفرنسيين على تصرفات القطب الجريئة قرروا إيقافه عند حده فحاولوا استقدامه إلى فرنسا لمحاكمته لكنهم عدلوا عن ذلك حين قال أحدهم: من العار على فرنسا أن تستدعى رجلا إما أن يحاججها فتكون أضحوكة أمام الدول وإما أن تحاججه وهو أعزل ليس له إلا علمه فخير لكم أن تتركوا الرجل. فتناسوه(1).

ومن طريف ما يروى عن القُطب أن وفداً فرنسيًّا زاره في الدار التي يدرس فيها وذلك قصد تسليمه وسام الاستحقاق عن حله لُغز الماء الذي حيَّر العلماء، وكان ضمن هذا الوفد القائد العسكري العام الفرنسي في الجزائر ومجموعة من الضباط الفرنسيين والقساوسة، وحينما دخلوا عليه الدار وجدوه جالساً يدرّس طلاَّبه، ولما وقفوا أمامه قام القُطب واعتلى بعض الدُّرُج، فطلب منه حاكم التراب أن ينزل ليسلمه رئيس الوفد النَّيشان، فأجابه القُطب قائلاً: "الإسلام يعلو ولا يعلى عليه"، وعندما دنا منه أحد الجنود ليعلق له الوسام على صدره أرخى له القطب طرف بُرنُسِهِ من الأسفل وقال له علِّقه هنا(2).

سلك القطب -رحمه الله- نهج الصالحين العاملين في جهاده الإسلامي، إلا أن الوصول إلى هذا الطريق الإصلاحي ليس بالأمر الهين، نظراً إلى سعي معارضيه الذين حاربوه وضايقوه في جهاده، فطالما استفزوه في إصلاحه ليلاً ونهارا، فشعر بأن دائرة السوء تسعى بكل قواها كي تحطمه وتنهي نهضته الإصلاحية في مهدها، كما بين ذلك في رسالة بعثها إلى بعض إخوانه العُمانيين قائلا: (فسلامٌ على الشيخ العالم عبد الله بن حميد والشيخ الفهامة عيسى بن صالح الفارسي من كاتبه أمحمد بن الحاج يوسف، أعذرني يا أخي في تأخير الجواب بعض التأخر وما ذلك إلا لأهوال عظام من النصارى ومن أهل بلدي .. )(3).

لاشك أن المجتمعات البشرية لا ولن تخلو من الصراع بين رجال الفضيلة ورجال الرذيلة وبين أهل الحق وأهل الباطل، إلاَّ أن عزيمة الصادقين هي من يكون لها الغلبة في النهاية لأن الباطل ساعة والحق إلى قيام الساعة.

من هنا يتبين لنا من خلال استعراض المسار التاريخي للأحداث التي واكب القُطب اطفيّش

(1) - جهلان، الفكر السياسي، ص: 111.

(2) - اطفيش: الرحلة، ص: 38.

(3) - المصدر نفسه، ص: 38.

٤ / ٢٠