الفتوى وأحكامها الشرعية لحسن الشعيبي - ب تخرج
الجزء ١ · صفحة ٣٨وأما الإفتاء من كتب الفقه فقد قال القرافي : كان الأصل يقتضي ألا يجوز الفتيا إلا بما يرونه العدل عن العدل المجتهد الذي يقلده المفتي حتى يصح ذلك عند المفتي كما تصح الأحاديث عند المجتهد ، لأنه نقل لدين الله تعالى في الموضعين وغير هذا كان ينبغي أن يحرم ، غير أن الناس توسعوا في هذا العصر فصاروا يفتون من كتب يطالعونها من غير رواية وهو خطر عظيم في الدين وخروج عن القواعد ، غير أن الكتب المشهورة لشهرتها بعدت بعداً شديداً من التحريف والتزوير فاعتمد عليها اعتماداَ على ظاهر الحال(1) .
وقال ابن الصلاح : إذا اعتمد المفتي الذي ينقل مذهب إمامه على كتاب موثوق بصحته جاز ذلك ، كما جاز اعتماد الراوي على كتاب إمامه واعتماد المستفتي على ما يكتبه المفتي وقد حصل له الثقة بما يجده في نسخة غير موثوق بها بأن ما يراه كاملاً منتظماً ، وهو خبير فطن لا يخفى في الغالب عليه مواقع الإسقاط والتغيير ، وأما إذا لم يجده إلا في موضع لم يثق بصحته نظر، فإن وجده موافقاً لأصول المذهب وهو أهل لتخريج مثله على المذهب لو لم يجد منقولا فله أن يفتي به ، وأما إن لم يكن أهلاً لتخريج مثله لم يجز له ذلك ولم يحصل له فيه ما يجوز له مثل ذلك(2) .
سئل العز بن عبد السلام(3) عن المفتي يأخذ بقول ينسب إلى إمامه ولا يرويه هذا المفتي عن صاحب مذهبه وإنما حفظه من كتب المذهب وهي غير مروية ولا مسندة إلى مؤلفيها، فهل يسوغ لمن هذه حاله الإفتاء أم لا ؟
(1) … القرافي : الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام (261،262) .
(2) … ابن الصلاح : أدب المفتي والمستفتي115.
(3) … عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم السلمي أبو محمد من أعيان الشافعية ،كان يلقب بسلطان العلماء ،ولد سنة 578هـ،من مصنفاته قواعد الأحكام في مصالح الأنام ،توفي سنة 660هـ،انظر السوسي معجم الأصوليين ص284.