الفتوى وأحكامها الشرعية لحسن الشعيبي - ب تخرج
الجزء ١ · صفحة ٥٨قبل الكلام عن حكم إفتاء القاضي يجب التفريق بين فتوى المفتي وحكم القاضي.
قد يشتبه إفتاء المفتي بقضاء القاضي ، ولكن يوجد بينهما فروق ، وهذه الفروق ترجع إلى فرق في حقيقتها ، وفروق في توابعها ومجالاتها .
فالفرق في حقيقتها أن قضاء القاضي إنشاء لا إخبار .
فهو _ أي القضاء _ " إنشاء إباحة أو إلزام في مسائل الاجتهاد المتقارب في ما يقع فيه النزاع لمصالح الدنيا(1) .
وأما الإفتاء فهو إخبار لا إنشاء والإخبار يدخله التصديق والتكذيب،دون الإنشاء
ومن هنا فالقضاء لا يكون إلا بلفظ منطوق ، وتكون الفتيا بالقول أو الفعل أو الإشارة .
قال القرافي : مثال الحاكم والمفتي مع الله تعالى _ ولله المثل الأعلى _ مثال قاضي القضاة يولي بين شخصين ، أحدهما نائبه في الحكم ، والآخر ترجمان بينه وبين الأعاجم.
قال :فالترجمان عليه إتباع تلك الحروف والكلمات الصادرة عن الحاكم ، فيخبر بمقتضاها من غير زيادة ولا نقص ، فهذا هو المفتي يجب عليه إتباع الأدلة بعد استقرائها ، ويخبر الخلق بما ظهر له منها .
ونائب الحاكم في الحكم ينشئ من إلزام الناس ، وإبطال الإلزام عنهم ، ما لم يقرره مستنيبه الذي هو القاضي الأصل ، بل فوض ذلك لنائبه فامتثل . فهذا مثال الحاكم مع الله تعالى . وليس له أن ينشئ حكما بالهوى وإتباع الشهوات(2) .
* أما الفروق بين الفتيا والحكم في توابعها ، فهي أن الحكم يلزم المحكوم عليه قبوله والعمل به ، وسواء اعتقده صوابا أم اعتقده خطأ . والفتيا بخلاف ذلك ، لا يلزم المستفتي قبولها والعمل بها ما لم يغلب على ظنه أنها صواب .
ويدل على هذا الفرق اللغة فإنهم نقلوا ( الحكم ) من حكمة الدابة ، وهي لجامعها الذي به يتمكن راكبها من تصريفها ولو على خلاف رغبتها . ونقلوا ( الإفتاء ) من الإفتاء بمعنى الإبانة .