اللقاء الإباضي الأشعري (في تراث الشيخ اطفيش)
الجزء ١ · صفحة ٣٣٧تجتمع عدة أسباب وراء هذا اللقاء المذهبي، منها الموضوعية والعلمية، والاجتماعية والتاريخية، كل هذه العوامل حفزت بل أنتجت ضرورة اللقاء المذهبي، على مستواياته المتعددة وأشكاله المختلفة؛ نذكر بعضا منها:
ا- طبيعة المادة العلمية:
فإن الفكر الإسلامي على مر تاريخه الطويل كان مجالا خصبا للمقارنات، واختلاف وجهات النظر، مما استدعى البحث في أي مسألة الاستقصاء للوصول إلى القول الفصل إن أمكن، فقد كانت المادة التي شكلت سبب اللقاء ذات سمة تراثية جدلية، فالشيخ اطفيش كان سائرا على خطى سابقيه في هذا الموضوع، وكان مخلصا لنهجهم، وكانت العقيدة والتراث الكلامي بخاصة ميدانا فسيحا للقاء الإباضي الأشعري عنده.
ب- كثرة الآراء واختلافها:
ولكثرة الأقوال واختلاف الرؤى أهميته في هذا اللقاء، فإن المسألة الواحدة يمكن أن تحتمل الأقوال المختلفة مما شكل ثراء الفكر الإسلامي، وساعد على ضرورة الاستقصاء في الأقوال، خاصة عند العلماء المدققين وكان هذا سببا في تتبع أقوال المذاهب والعلماء في الموضوع الواحد، وأحيانا لا يكون في المذهب الواحد قول واحد، كما كان الشأن لمسألة فعل الإنسان وغيرها.
ج- الجوار الإباضي الأشعري شرقا وغربا جغرافيا
وهو من بين أهم الأسباب التي أدت إلى اللقاء الإباضي الأشعري، وخاصة بالمغرب، إذ تجاور هذان المذهبان على مر التاريخ منذ وجودهما، وكان المذهب الإباضي بتجربته في الدولة الرستمية وما سبقها قد عاش الجوار مع غيره، واستمر مع قدوم الأشاعرة بعد هذه الدولة، ولمدة طويلة -وما تزال تجاور المذهبان، وكان هذا سببا كافيا للتعارف والتعرف بينهما.
وإن كانت طبيعة التعرف ودرجة الميل إليه تختلف من عالم إلى آخر، ومن وقت إلى آخر، نحسب أنها بلغت ذروتها في فترة متأخرة، وبخاصة من الجانب الإباضي. وقد يكون ذلك بحكم موازين القلة والكثرة، والانحسار الإباضي عبر الزمن من حيز جغرافي إلى آخر، وبحكم التجاور الذي لم يكن بحساب مدن أو حواضر متجاورة بل تطور وتوسع إلى الجوار السكني والحي الواحد.