اللقاء الإباضي الأشعري (في تراث الشيخ اطفيش)
الجزء ١ · صفحة ٣٣٦وضابط الأقوال أنَّ المؤثر إمَّا قدرة الله كمذهبنا ومذهب الأشعريَّة، أو قدرة العبد كمذهب جمهور المعتزلة، أو هما مع اتِّحاد المتعلَّقين كمذهب الأستاذ والنجار(1) من المعتزلة، أو دون الاتِّحاد مع كون قدرة العبد متعلِّقة لقدرة الله صادرة عنها بلا عكس لاستحالة تأثير الحادث في القديم، كما هو مذهب إمام الحرمين والحكماء، أو بدون تعلُّق إحداهما للأخرى، كما هو مذهب الباقلاني(2)»(3).
وفي الأخذ بالكسب الأشعري يظهر تأثر الإباضية المتأخرين بالأشاعرة، إذ اعتبر بالنسبة إليهم وسطا بين الجبر والاختيار، رغم أن البعض يرى أنهم كانوا على مذهب الكسب مفهوما قبل أن يكون مصطلحا، والواقع أنهم كانوا على التفويض في هذه القضية، حتى تأثروا برأي الأشاعرة فأخذوا به، ولذلك حاول إباضية جبل نفوسة الحفاظ على الأصل بالقول بنظرية الجبل عوض الجبر، وهكذا نجد الشيخ اطفيش يبرر الأخذ بالكسب ما اعتقد فيه من التوسط بين الأطراف المختلفة، فقال مدافعا عن المذهبين الإباضي والأشعري:
«والملجئ لنا وللأشعرية إلى التوسط بين مذهبي الجبر والاعتزال لزوم المحذور على كل منهما»(4).
والواقع أننا عندما ندرس القضية عند الشيخ اطفيش لا نجد خلافا ذا شأن في الموضوع، وهو يشير أنه خلاف لفظي، ويقول: «ومشهور الأشعرية أن له قدرة غير مؤثرة أي لا تؤثر بذاتها فالخلاف لفظي، أو لم يسموا ما للعبد تأثيرا»(5).
والذي يهمنا في الموضوع هو اهتمام الشيخ بالمقارنة وإظهار التوافق بين المذهبين، وتتبع القول بالكسب عند الأشاعرة، من الأشعري إلى الجويني، ويقول بمثل قول الأشاعرة بعد الأشعري الذي قال إن للإنسان قدرة لكن غير مؤثرة(6)، بينما ذهب إلى القول إلى قول غير بعيد عن هذا وهو تأثير قدرة العبد لكنها متوقفة على إرادة الله تعالى وإذنه، ورأى أن هذا موافق لأتباع الأشعري من بعده، حتى قال إن أتباعه خالفوه، والواقع تطور نظرية الكسب التي انتهت إلى مثل قول القطب عند الجويني.(7)
فهذان نموذجان من اللقاء الإباضي الأشعري عند الشيخ اطفيش، يضافان إلى الأعمال الأخرى التي حوت فضاء هذا اللقاء، وله خصوصيته من حيث أسبابه ونتائجه.
4 - أسباب اللقاء الإباضي الأشعري عند الشيخ اطفيش
(1) الحسين بن محمد بن عبد الله النجار (نحو 220ه-ص835م) رئيس الفرقة النجارية المعتزلية. ينظر: الزركلي، الأعلام، مرجع سابق، ج2 ص253.
(2) ينظر: الجرجاني علي بن محمد، شرح المواقف، تحقيق عبد الرحمن عميرة، دار الجيل، لبنان، 1417هـ، ج3 ص 215.
(3) اطفيش، شرح كتاب أصول الدين، مصدر سابق، ص 399.
(4) اطفيش، شرح النيل، مصدر سابق، ج17، ص 728، 729، وينتن، آراء الشيخ اطفيش، مرجع سابق، ص 372.
(5) اطفيش، التيسير، مصدر سابق، ج4، ص 328، وينتن، آراء الشيخ اطفيش، مرجع سابق، ص 375.
(6) الأشعري أبو الحسن، الإبانة عن أصول الديانة: دار العلم للطباعة والنشر جدة، د. ت، ص 54.
(7) القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة: تحقيق عبد الكريم عثمان نشر مكتبة وهبة مصر، 1384هـ/1965، ينظر هامش رقم 1، ص 364، وينتن، آراء الشيخ اطفيش، مرجع سابق، ص 375.