المسألة الفلكية عند قطب الأيمة (قراءة في المضمون والمنهج)
الجزء ١ · صفحة ٤٧٠الله تعالى بدأ خلق العالم في يوم الأحد، وفرغ منه يوم الجمعة، واستراح يوم السبت، واستلقى عن العرش سبحانه عن ذلك وأمثاله، أو كان شيء من ذلك في التوراة ولم يفهموه" ثم يبين حقيقة الزمن إذ يقول مصححا "والأحد والإثنين وغيرهما أزمنة، فإذا كان ابتداء خلق السموات والأرض في يوم الأحد لزم تقدم الزمان على الأجسام، والزمان لا ينفك عن الأجسام، وقبل خلق السموات والأرض لم يكن شمس لا قمر".
5. مصادر المعلومة الفلكية عند القطب.
بعد عَرضٍ مقتضَب لنماذجَ من آراء القطب الفلكيَّة، لسائل أن يسأل عن مصادر المعلومة الفلكية لديه ومنهجه فيها؛ ويبدو السؤال أكثر إلحاحا، إن نحن استحضرنا ما أشرنا إليه سابقا من شحِّ المصادر الثقافة والمعرفة لدى القطب.
وفي تقديري –والله أعلم- أنَّ مصادر المعلومة الفلكية لدى القطب تتلخص في يلي:
1. التكوينُ الذاتيُّ والاعتمادُ على النفس في تحصيل العلوم: وهو السمة الغالبة على جلِّ العلوم التي اكتسبها القطب، فكما أسلفنا فقد "عُرِف القطبُ باعتماده شبهِ الكلِّيِّ على نفسه في تعلُّمه؛ فالإنتاج العلميُّ الذي تركه لا يعادل المحيطَ الذي عاش فيه، والظروفَ التي عرفها من نقص في المشايخ والكتب .. بل كان يتحيَّن الفرص للتعلُّم، ويترقب مجيء أهلِ العلمِ من المشرق ليأخذ عندهم؛ هذا ما جعله يعتقد أنَّ الاجتماع بشيخ إنما يحدث في بداية تعلُّم كلِّ فنٍّ، والطالب بعد ذلك يستطيع أن يواصل ما بقي من الفنِّ بالمطالعة".(1) وهذا الذي جعله يخطئ التقدير في بعض المباحث الفلكية كما مرَّ بنا آنفا. ويقرِّر الباحث مصطفى وينتن أنَّ القطب قرَّر هذه القاعدة على نفسه، وكانت له المخرج في تعلُّمه في بيئة فقيرة من أسباب العلم. وربَّما ساعده في ذلك ذاكرتُه القوية في الحفظ، وموهبتُه في الفهم السريع، ليلتقي كلُّ ذلك مع رغبته الشديدة في التلقي والتعلُّم، وقد أثمرت هذه العصامية نتاجا علميا معتبراً.
2. الاهتمام بالمتابعة والتجريب والتحقيق الميداني: وذلك من صميم المنهج التجريبي الذي كان سمة المنهج العلمي الحديث، وأحدَ أسباب التطور العلميِّ في شتى الأصعدة ومنه علم الفلك. يقول القطب مبيِّنًا هذا المسلك من التحقيق والتجريب، وهو بصدد رصد الهلال "ويستتر القمر ليلتين إِن كان الشهر ثلاثين، وليلة إِن كان تسعة وعشرين، هذا غالبٌ، وتحققت مرتين أَنه رؤِى بعد الفجر". فالوصول إلى الحكم بالتغليب كان مبنيا على التحقيق والمتابعة.
3. متابعتُه للأخبار والمستجدات في الموضوع: ويبدو أنَّ القطب كان مولعًا بالجديد في الموضوع ما أمكنه الأمرُ، مشتغلاً بالمستجدات فيه، وإن لم نستطع تحديد مصدر أخباره
(1) المرجع السابق، ص 47 - 48.