المسألة الفلكية عند قطب الأيمة (قراءة في المضمون والمنهج)
الجزء ١ · صفحة ٤٦٦ومن الجدير التنبيه إلى أن القطب قد دعّم هذه المباحث برسومات توضيحية، وأشكال، تسهل الجانب التطبيقي لمن رام أن يجسد المعلومات المقدمة عمليا، فهو كتاب يجمع بين النظر والتطبيق. (ينظر ملحق الرسومات التوضيحية، ص07).
ثانيا: الآراء الفلكية للقطب من ثنايا تآليفه: وهي اجتهاداتٌ وتوضيحاتٌ في مسائل فلكيَّة بثَّ فيها القطب، لكنَّها مبثوثة في مؤلَّفات خارج تخصص فن الفلك، وبخاصة تفسيره "تيسير التفسير"، هذا الذي ينطوي على علم غزير بالجانب الفلكي، اقتضته آيات الكون في القرآن الكريم، فسَّرها القطبُ من أفق معرفيٍّ لعالِمٍ بالفلك. ولو قُدِّر لباحث تتبُّع تلك الآراء بمسح شامل لكلِّ مؤلفات الشيخ لخرج بمؤلَّف مستقل آخر، يُعنى بإبراز المسألة الفلكية عند القطب، على أكمل وجه، وأعمق تصوُّر. ولعلَّ فيما ننقله من النزر اليسير من خلال التيسير، الخطوةٌ أولى، والنواةٌ لهذا المشروع.
وما من شك أنَّ الاهتمام بهذا الجانب لأمر يستحق العناية والعناء من الباحثين، وسيكشف لا محالة عن مستوى اهتمام الشيخ بهذا العلم ومتابعته للجديد فيه، كذكره لعالم الفلك الشهير "هرتشل"، وما ظفر به من معرفة للكواكب السيارة فوق المعروفة. يقول في تفسيره للآية 54 من سورة الأعراف "وزاد بعضٌ الآن سناوز ونوا وبالاس وسرس أَو أَرنوس، ويُسمَّى هرشل وهو اسم المنجِّم الذي ظفر برصده"؛(1) أو ما أضاف إليه انطلاقا من منطقته بمزابَ، نحو اجتهاده تحديد خطوط الطول والعرض لبلاد مزاب في كتابه "مسلك الفلك". وكيف وظَّفه خدمةً لأداء العبادات، ويظهر ذلك من حرصه الشديد على معرفة ضبط الأوقات، لضبط مسألة أداء العبادات. وللقطب مزولة شمسية لضبط الوقت بدقة متناهية، قام بإنجازها.
وفي السياق نفسه نجد له اهتماما بمسألة بالغة الأهمية في جغرافيا الأرض، وهي خطوط الطول والعرض حيث يقول واصفا شكل الكرة الأرضية إجمالا "ثم إني قد أخبرتُك أنَّ الأرض ليست تامة التكوير، بل بُسطت عند القطبين، ومنتفخة عند خط الاستواء، وذلك من قياس خط نصف النهار، وهو الدائرة العظيمة المارة بالقطبين التي تقسم الأرض إلى نصفي كرة، أحدهما شرقي، والآخر غربي. وقياس خط الاستواء وهو الدائرة العظيمة التي تقسمها إلى نصفى كرة، أحدهما شمالي، والآخر جنوبي، فوجد أن خط الاستواء يزيد على طول نصف النهار بنحو سبعين ألف متر، وكذا قطره، ويزيد عن قطر خط نصف النهار بنحو عشرين ألف متر، فعلى فرض تكوير الأرض ليس تكويرها تاما".(2)