المسألة الفلكية عند قطب الأيمة (قراءة في المضمون والمنهج) محمد حدبون

المسألة الفلكية عند قطب الأيمة (قراءة في المضمون والمنهج)

الجزء ١ · صفحة ٤٦٧

3. مباحث من الفلك القديم لم يستدركها القطب:

ككلِّ عالم له مأخوذ ومتروك، وصحيح ومهجور، فقد وردت للقطب آراءَ نقلها في مسائل كوسمولوجية،(1) لا يمكن للعقل المعاصر أن يقبلَها، وعذره فيها أنه لم يدركه العلم الصحيح فيها بل كان ابن عصره وما استقر إليه علم ذلك الزمن؛ وخلاصة ما فيها خلط بين مفهوم السماء المادي والغيبي.(2) ونورد لذلك نماذج وردت عند القدامى من غير تصحيح ولا تمحيص:

- حديثُه عن مادة خلق السماوات، بما ينافيه العلم الحديث المعاصر، كقوله "فالأولى: من زبد الماء متجمداً، والثانية: من رخام أبيض، والثالثة: من حديد، والرابعة: من نحاس، والخامسة: من فضة، والسادسة: من ذهب، والسابعة: من ياقوت أحمر"،(3) ومفهوم السماوات اليوم أعقد ما يكون، يلتبس فيه المفهوم المادي بالغيبي، وإن كان يقصد بالسموات الكون المرئي فإن فروع الفلك الحديث لا تقول بذلك مطلقا.

- إيرادُه للمسافات بين السماوات بالمقاييس القديمة، نقلها من غير تعليق، أو لنقل هي نسبية غير واضحة، كقوله "وبين كلِّ سماء وأخرى، وأرض وأخرى، والأرض والسماء خمسمائة عام".(4) وعلم الفلك الرصدي اليوم يميز بين المجرات وعناقيد المجرات، وفيه تنضوي الكواكب بأبعادها، والزمن معلم، لكن بدلالة أيةِ حركة.

- اعتباره "السموات والأرض ساكنات، والكواكب والشمس والقمر متحركات في أفلاك غير السموات، أو في غير أفلاك".(5). وقد حسمت مسألة امتداد الكون وتوسعة الأبحاث المعاصرة، ابتداء من إدوين هبل بما لا يدع مجالا للشك. أما سكون الكون تصوُّر يوناني قديم، لا أساس له في العلم الفلك الحديث.

- أخذه بالنظام الجيومركزي الذي يجعل من الأرض مركز الكون، وأنَّ الشمس هي التي تدور حول الأرض، ومن المعلوم أن نيكولاي كوبيرنيكوس قد قلب هذه المسلمة، رأسا على عقب، وبها يؤرخ للعلم الفلك الحديث؛ ما يجعلنا نعتقد أنَّ ذلك لم يبلغ القطب. ونلمس منه هذا الرأي في حديثه عن الليل والنهار إذ يقول: "يتحقق الاختلاف بدوران الشمس على الأرض"(6) وقال في تفسيره لآية في سورة الرحمن "ويستدل بجريان الشمس بدليل الآية ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا﴾ ثم يقول "وهو الظاهر ولا يلتفت إِلى زعمِ من زعم أن المتحرك هو الأَرض".(7)

(1) الكوسولوجيا علم تاريخ الكون، وهو فرع من علم الفلك العام، الذي يهتم بدراسة نشأة الكون وتطوره ومصيره، موظفا في ذلك تفرعات أخرى كالفيزياء الفلكية، والأرصاد.

(2) ينظر: نضال قسوم، جمال ميموني: قصة الكون من التصورات البدائية إلى الانفجار العظيم، ص:35 وما بعد.

(3) امحمد بن يوسف أطفيش: تيسير التفسير 01/ 332.

(4) المصدر والصفحة نفسه.

(5) المصدر نفسه: 03/ 105.

(6) المصدر نفسه: 03/ 106.

(7) المصدر نفسه: 14/ 214.

٧ / ١٣