شخصية القطب اطفيش من خلال تواصله مع الدولة العثمانية
الجزء ١ · صفحة ١٠٤وكأني به يخشى زحف الاستعمار على بقية أراضي المسلمين، بعد الأنباء التي قد يكون تلقّاها في حجّته الثانية عن حال الدولة، فنجده يقول: « … هذا الزمان، إلى جلب الناس بالعطايا، وتكثير العساكر، والمحافظة على أرزاقهم وتكثيرها، وتدريبهم على أمور الحرب وحيلها، حفظا لبر الترك الإسلامي والحجاز وسائر بلاد الإسلام غربا وشرقا، أحوج منه إلى الاشتغال بالألغاز»(1)، وفي كلامه هذا إشارة إلى ثلاث قضايا استراتيجية، بها تقوم الدولة وتنهض .. فلابد من الاعتناء بها، فأولا، تنظيم تحالفات مع الآخر (الناس)، ولو بتقديم بعض (العطايا) والامتيازات، كسباً لودِّهم ودرأً لشرِّهم، وثانيا، الاهتمام بالجانب الاجتماعي، وهذا يتجلّى في المحافظة على أرزاق الناس، وإعانتهم على تنميتها، وثالثا، الاهتمام بالشأن العسكري، بتقوية المؤسسة العسكرية، وذلك بتكثير الجند وتدريبهم أحسن تدريب، فلا بد -إذن- من العمل على كسب الجبهة الخارجية وتنمية الجبهة الداخلية، وتقوية الجبهة العسكرية لأي طارئ، ونلاحظ أنه ذكر تلك المناطق التي لا تزال تنعم بالاستقلال كبَرِّ الترك الإسلامي والحجاز، ثم ثلث بسائر البلاد الإسلامية غربا وشرقا، ومُعظمها كان يرزح تحت الاستعمار الأوربي أو يخضع لنفوذه، فكيف مع هذه المهمّة الكبرى، يُشغل المسلمون بفكِّ الألغاز؟!
هذا ما كان من خطاب القطب قبل أن يشرع في حلّ اللغز، لكن لما كشف عن حلِّه، رجع مرّة أخرى إلى خطاب الدولة العثمانية من خلاله، وهذه المرّة أعرب أكثر عن مخاوفه، واستنهض الدولة بما ذكّرها به من أحوال أجدادهم؛ أملا ليس في المحافظة على باقي الأراضي فحسب، بل في السعي إلى ردّ ما اغتُصِب منها، فيقول مُذكِّرا بأسباب اتّصاله، عن طريق حلّ اللغز: «ولكن قصدتُّ الاتصال بكم، لعلّ الله يرحمكم بأن يوقِظكم لطرح ما لا يعني، ولتقليل الشهوات والبطالات، وللاشتغال بالمحافظة على برّ الإسلام خصوصا الحجاز، واسترداد ما أخذ الكفرة من البلاد .. لما طغت كفرة الأندلس وأخذوا من عُدوتنا وهران وتلمسان وغيرها، صرفت أجدادكم العناية لذلك فردّوهما وغيرهما … »(2)، فثمّة خوف على سلب أراضي الحجاز، موطن التقاء المسلمين كل عام، أو بسط الأجنبي نفوذه عليها، وسنرى تكرّر هذا الهاجس في مسألة مدّ خط سكة الحديد، وثمة أيضا منحىً جهادي واضح في الخطاب، لا يرى الحل إلا في تكرار تجربة الآباء مع المستعمر الغاشم!
وحيث إن موقع القطب لا يسمح بغير هذا التذكير والاستنهاض؛ نراه يشير إلى أمر مُهمّ جدّاً، وهو أنه بعد اتخاذ الأسباب، طلب العون والمدد من ربّ الأسباب، فيقول: «نسأل الله نصر الدولة العثمانية بنبيئه محمد - صلى الله عليه وسلم - ونرى الدعاء بذلك واجبا، ومعالجة ما يجاب الدعاء به في ذلك أمرا لازما … »(3)، فثمة دعاء وتضرّع إلى الله، لكن أيضا مع معالجة ما يُجاب به الدعاء،