شخصية القطب اطفيش من خلال تواصله مع الدولة العثمانية صالح بن الحاج بكير سيوسيو

شخصية القطب اطفيش من خلال تواصله مع الدولة العثمانية

الجزء ١ · صفحة ١٠٣

من ذلك طباعة الكُتب بالقالب (الطبع الحجري)، وأنّها أحدثت في دار الإسلام، سنة (1138هـ/1726م)، وكيف أن علماء إسلام بول اختلفوا حولها، واتفقوا على جوازها بعد طول مشاورة، ثم أفتى بذلك قاضي القضاة، على عهد السلطان أحمد الغازي(1)، ثم ذكر فوائد الطّباعة تلخيصا مما ذكره الشيخ محمد حقِّي في منبع الحقائق(2)، فقال: «وذَكر من فوائد الكتابة بالطبع سرعة حصول العوام والخواص إلى ما يحتاجون إليه، وانتشار الكتب في بلاد الإسلام وغيرها لتقوية الدين، وتصحيحها بالمصحِّح الكامل مع عدم مسح مدادها، حتى لا يحتاج الإنسان إلى تعدّد النسخ، وتحصيل آلاف كتاب في مدة يسيرة، حتى يحصل منها الغني والفقير والعاجز، وبيان برنامج الكتاب [يقصد الفهرس]، حتى يتعرّف الطالب كل مسألة في محلها، ورُخْص الثمن … »(3).

في هذا النقل نلمح جانباً من تأثير الدولة العثمانية على العالم الإسلامي، سواء ما تُحدِثه مما تتلقّفه من الأمم الحيّة، من وسائل حديثة مبتكرة، أو ما يتواضع عليه علماؤها من فتاوى، وما ينشرونه في كتبهم بعد ذلك، والشيخ محمد حقّي صاحب القطب، يُعدّ حلقة في هذا التواصل العلمي المنتج.

كما اتصل القطب بالدولة العثمانية ثقافيا وسياسيّاً، وهذا في شأن لغز أظهره الشيخ أحمد مختار التركي، من أهل القرن الثاني عشر الهجري(4)، بعد أن أعيد نشره -فيما يبدو- في جريدة «الجوائب»، في عدد 630، 27 محرم 1290هـ/ 1874م(5)، فاطّلع عليه القطب أو أُطلع عليه، ومما جاء في نصِّه بداية «يا ذوي الفضل والأفضال ما كلمة هي حروف وأسماء وأفعال … »(6) إلخ، استطاع القطب أن يجد له حلاًّ مفصّلاً، راسل به صاحب الجريدة(7) الأستاذ أحمد فارس الشدياق اللغوي اللبناني(8)، ولا ندري إن كان قد وصل إليه أو إلى جريدته .. أم لا؟ ثم كيف كان الردّ على ذلك؟

لكن ما يهمّنا في جواب القطب على هذا اللغز، هو أنه لم يكتف بالجواب وشرحه وتوضيحه، بل اغتنم الفرصة ليُوجِّه نصيحة من خلاله للدّولة العثمانية، وما ينبغي أن تكون عليه من القوة، في زمان تكالبت فيه الأعداء على أراضي المسلمين، والملاحظ أنه ابتدأ بالنصيحة والدّعاء لهذه الدولة، وختم مكرّراً النصح، ومستنهضا لحماية «برّ الإسلام خصوصا الحجاز»، بل صرّح أن إجابته على اللغز ليس إلاّ وسيلة للاتصال على هذا النحو، فقال آخر اللغز: «هذا والله أعلم ما ظهر لي ولا أعلم الغيب ولا أدّعي الإحاطة بالعلم، ولكن قصدتُّ الاتّصال بكم … »(9) إلخ.

واللافت للنّظر أن القطب شدّد في خطابه إلى الدولة العثمانية على الجانب العسكري،

(1) أحمد الغازي هو السلطان أحمد الثالث (1115 - 1143هـ/ 1703 - 1730م)، ولمعرفة أسباب ظهور الطباعة، وسبب الخلاف حولها، ينظر: أصول التاريخ العثماني (مرجع سابق)؛ / 160.

(2) ينظر: محمد حقي بن علي بن إبراهيم النازلي، مفزع الخلايق منبع الحقايق؛ مطبعة محمد أنسي، القاهرة-مصر، د. ر. ط-1293هـ، /8 - 10. والنسخة موجودة بمكتبة القطب، برمز: د20، وعليها ملكية القطب وأثر قلمه.

(3) امحمد بن يوسف اطفيش، الذخر الأسنى من الأسماء الحسنى (مخطوط)؛ بخط المؤلف، مكتبة القطب، يسجن، غرداية- الجزائر، برمز: أ-هـ 5، /55و.

(4) لم أعثر على ترجمة له، وكونه من أهل القرن الثاني عشر كما صرح القطب، يجعله غير أحمد مختار باشا التركي الغازي (1253 - 1337هـ/ 1837 - 1919م)، الذي ترجم له صاحب الأعلام. [ينظر: امحمد بن يوسف اطفيش، تفسير ألغاز؛ ملتزم الطبع: داود بن إبراهيم بن داود، د. ر. ط-1306هـ،/14، أيضا: خير الدين الزركلي، الأعلام، دار العلم للملايين، ط5 - 1980، 1/ 255].

(5) في النسخة المخطوطة، لتفسير هذا اللغز بخط المؤلف، نقرأ في 1و، بخط مغاير عبارة بهذا النص: «تفسير لغز الذي كان مدروج في الجوائب في عدد 630، 27 محرم الحرام 1290، ولم أتمكن من الوصول إلى هذا العدد من هذه الجريدة، ولا إلى الجريدة نفسها، ولعل الأرشيف العثماني يحتفظ بأعدادها، لكن قد نرجح انطلاقا من هذا التاريخ؛ أن القطب قد حج حجّته الثانية، في سنة 1290هـ بالضبط، وفيها تحصّل على هذا العدد من صحيفة «الجوائب»، وأيضا بقرينة مكاتبته لأحمد فارس الشدياق؛ إذ لا يراسله على حل لغز تقادم عهده!

(6) امحمد بن يوسف اطفيش، تفسير اللغز (مخطوط)؛ بخط المؤلف، مكتبة القطب، يسجن-غرداية، أ-م 11، / 2ظ.

(7) قال القطب: «وأما تفسيري إيّاه بالدنيا الذي كتبته إلى أحمد فارس فنصّه … » المصدر السابق؛ /2ظ.

(8) أحمد فارس بن يوسف بن منصور الشدياق، عالم باللغة والأدب، ولد في قرية عشقوت (لبنان)، أبواه مسيحيان مارونيان، سمّياه فارسا ماذا يراد من هذا؟، ورحل إلى مصر، فتلقّى الأدب عن علمائها، ورحل إلى مالطة، فأدار فيها أعمال المطبعة الأمريكانية، وتنقّل في أوروبا، ثم سافر إلى تونس، فاعتنق الدين الإسلامي، وتسمَّى «أحمد فارس»، دُعِي إلى الآستانة، فأقام فيها بضع سنوات، وأصدر بها جريدة «الجوائب»، سنة 1277هـ، فعاشت 23 سنة، توفي بالآستانة، ونقل جثمانه إلى لبنان، من آثاره: «كنز الرغائب في منتخبات الجوائب» سبع مجلدات، اختارها ابنه سليم من مقالاته في الجوائب، و «سر الليال في القلب والإبدال» جزءان، في اللغة، و «الجاسوس على القاموس»، و «الساق على الساق فيما هو الفارياق»، وغيرها، وبعضها لا يزال مخطوطا. وله شعر وصف بالرقة والحسن والانسجام. [ينظر: الأعلام؛ دار العلم للملايين، ط5 - 1980، 1/ 193].

(9) تفسير اللغز (مصدر سابق)؛ / 9ظ.

٩ / ٢٠