شخصية القطب اطفيش من خلال تواصله مع الدولة العثمانية صالح بن الحاج بكير سيوسيو

شخصية القطب اطفيش من خلال تواصله مع الدولة العثمانية

الجزء ١ · صفحة ١٠٦

ذلك لا يخرج عن الوجوب واللزوم، فهل الرّسالة وصلت؟!

وتستوقفنا -أخيرا- عبارة القطب «وهذا الزمان أحوج إلى الورع والسيوف منه إلى الاعتناء بالنّظم والتأليف»(1)، فلا يكون النظم والتأليف إلا بمقدار الحاجة (أحوج)، فلا بد من (الورع)، وهي كلمة شاملة لكل وقوف دون محارم الله وما يُسخطه، ولابد من (السيوف)، في إشارة إلى القوة العسكرية، وما به قيام الدولة الإسلامية، وربما كان قد استقر على هذه الخلاصة بعد عودته من حجّته الثانية، بعد أن تلقّى -عن قرب- أنباء الدولة العثمانية وأحوالها وما حولها.

ولئن صح أن هذا اللغز حُلّ بعد رجوع القطب من حجّته الثانية كما يُفترض؛ فإن ذلك يعني أنه يُشايع بكلماته تلك وعباراته .. مجيء عصر السلطان عبد الحميد(2)، الذي حاول بخطّته الإصلاحية، إرجاع الدولة إلى بعض هيبتها، والحد من النفوذ الأجنبي، الذي تمكّن بعض الشيء من أوصالها، حتى إنه قلّل من نفوذ مَن حوله، من ذوي المشاريع القومية والتغريب، وقلّص من صلاحياتهم، واتُّهم لأجل ذلك بالاستبداد .. هذا ما كان من القطب مِن تواصل ثقافي سياسي، قبل بزوغ عهد هذا السلطان، الذي أيّده ودعا له، وربما لمس أثر إصلاحاته، وتلقّى بعضاً من أخباره في حجّته الثانية.

لعل أوّل رسالة من القطب مخاطبا بها السلطان عبد الحميد، كانت في حدود سنة (1318هـ/1900م)، في شأن تلميذه سليمان الباروني، الذي جاء إلى واد مْزاب في سنة (1313هـ/1895م)، ومكث في معهد القطب ثلاث سنوات، فاعتنى بشأنه واجتهد في إرشاده، ولما أذن له في الرحيل سنة (1316هـ/1898م) بعد طول طلب، وشايعه مسافة إلى سفره، وزوّده بالنصيحة والدعاء .. قصد مدينة تيهرت؛ لِيقف على ما بقي من طلَلِها الدارس، ويسترجع الذّكرى، ثم ولّى شطره ثانية، نحو بلده في جبل نفوسة، لكن قبل أن يصله ترصّدته يد السياسة، واتُّهم بما اتهم به، وربما الأمر كما عبّر «أوهام في أوهام، وأفكار كأضغاث أحلام، وحيل ومراصد، يُتوصّل بها إلى خبيث المقاصد»(3)، فكان مصيره السِّجن مباشرة.

ولما بلغ نبأ اعتقاله إلى قطب الأيمة، كتب رسالة في طلب العفو، إلى السلطان عبد الحميد في الآستانة، وفي تقديري أن كتابتها كانت في العام الأول من دخول الباروني سجنه الثاني(4)، سنة (1318هـ/1900م)، وهي السنة ذاتها، التي زار فيها سليمان بن ناصر مْزاب، وقد ورد ذكره في الرسالة .. وقبل أن يدخل عامه الثاني في الإقامة الجبرية، داخل أسوار المدينة وبكفالة، وقبل مجيء العفو السلطاني من السلطان عبد الحميد سنة (1320هـ/1902م).

المصادر تشير إلى أن الحكم على الباروني، كان بادئ الأمر هو النّفي ولخمس سنوات بأرض «برود» أو «بقان»، وهذا أثار القبائل والعشائر وهدّدت بالتمرّد والحركة، فاضطرّت نيابة

(1) المصدر نفسه؛ / 10و.

(2) السلطان عبد الحميد بن عبد المجيد (1293 - 1327هـ /1876 - 1909م): هو السلطان الرابع والثلاثون من سلاطين الدولة العثمانية، تولى عرش الدولة في الرابعة والثلاثين من عمره، بويع بالخلافة بعد أخيه مراد .. تلقّى تعليما مُنتظما في القصر السلطاني على أيدي نخبة مختارة من أشهر رجال زمنه علما وخلقا، وتعلم من اللغات العربية والفارسية، ودرس التاريخ وأحب الأدب، وتعمّق في علم التصوّف، كما تدرّب على استخدام الأسلحة، كان مهتمّا بالسياسة العالمية، ويتابع الأخبار بدقة .. أعلن الدستور (1293هـ /1876م)، الذي يضمن الحريات الفردية، وينصّ على مبدأ الحكومة البرلمانية، وعيّن مدحت باشا صدرا أعظم، لكن جرّد المتأثرين بالفكر الغربي من سلطاتهم، وتولّى قيادة البلاد قيادة حازمة، ودعا إلى فكرة «الجامعة الإسلامية»، وكان من مشاريعه الكبرى إنشاء خط سكة حديد الحجاز، بين دمشق والمدينة المنورة .. لكن رجع أولئك تحت تأطير جمعية الاتحاد والترقي، ووجّهوا تُهماً إليه، فتمّ عزله سنة 1327هـ/ 1909م/، وبقي في قصره في استانبول، حتى توفي في 29 ربيع الآخر 1336هـ/ 10 فيفري 1918م [ينظر: الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط (مرجع سابق)؛ /399 وما بعدها، أصول التاريخ العثماني (مرجع سابق)؛ 224 وما بعدها].

(3) ينظر: سليمان بن عبد الله الباروني باشا، الأزهار الرياضية في أيمة وملوك الإباضية (القسم الثاني)؛ دار البعث، قسنطينة-الجزائر، ط3 - 1423هـ/ 2002م، 403 وما بعدها.

(4) السجن الأول كان مدة شهرين ونصف، ولما ثارت ثائرة أهله وسكان الجبل، أطلق سراحه بكفالة، إذ برأه مجلس الاستئناف بالأكثرية وعلى رأسه الوالي هاشم باشا (1899م)، لكن لم تطل مدة إطلاق سراحه، حتى أعيد سجنه ثانية، بعد نقض البراءة من دائرة التمييز، وأكثر من ذلك تم عزل أعضاء المحكمة الذين حكموا عليه بالعفو أول الأمر، وأشار الباروني إلى خصومه، وعلى رأسهم قائمقام فساطو محمد بك الأسير الشامي.

١٢ / ٢٠