شخصية القطب اطفيش من خلال تواصله مع الدولة العثمانية صالح بن الحاج بكير سيوسيو

شخصية القطب اطفيش من خلال تواصله مع الدولة العثمانية

الجزء ١ · صفحة ١٠٧

استانبول العامة إلى إعادة النظر في الحكم، فكان إبقاؤه مدة سنة، يقضيها مع المحكوم عليهم بالنفي، ثم أطلق سراحه وأفرج عنه بكفالة؛ شرط أن لا تتعدّى تحرّكاته أسوار المدينة ويُراقَب أيضا، وجاء طلب العفو من الوفد المكلّف بالذهاب إلى دار الخلافة لأجل تقديم الولاء للسّلطان، والتباحث في شؤون ولاية طرابلس، مُستغِلاّ وجوده قُرب الخليفة ..(1). ويبدو أن رسالة القطب كانت مُسهِمة لحركة هذا الوفد ومؤيِّدة له، وربما من غير تخطيط؛ فكان العفو من السلطان عبد الحميد سنة (1320هـ/1902م)(2). فماذا في الرسالة، وكيف عبّرت عن شخصية القطب؟

أول ما يستوقفنا في نصّ الرسالة بعد السلام، تعريف القطب بنفسه بكل أريحيّة وعزّة نفس، وهذه المرّة مع تحديد مكان وُجُوده بكل دقة، «مِن امحمد بن يوسف اطفيش، ذي السِّهام التي لا تطيش، من بلد يسجن، الجارة لغارداية، من أعمال الجزائر، التي هي في قُراها غاية … »، فهو يؤسِّس في هذا التواصل الأوّلي لعلاقة دائمة، بقدر ما يدفع بالملف إلى الاهتمام به، ثم يَلتَفِت إلى السلطان بما يُعلي مِن شأنه ومكانته، دون الغفلة عن تذكيره بلقبه الحقيقي، وما ينبغي أن يضطلع عليه، مع إبداء التأييد لمسيرته بالدعاء له بالعزّ، وعلى أعدائه بالذل والخزي .. فقال: «أعزّ الله روح وجسم ذي المرتبة العليا، سلطان سلاطين أقاليم الدنيا، بل الخليفة عبد الحميد خان، مَنِ السلاطين بالنسبة إليه دخّان، ذي القلم والسِّنان، والعَلَم والعِنان، أبقاه الحي القيوم ذي الجلال والإكرام في عزٍّ، وأعداءه في ذلٍّ وخزيٍ وسبيٍ وبز … ».

ثم يُعرِّج ثانية على التعريف بنفسه، قبل أن يُعرب عن مطلبه، فقال: «فمطلوب كاتبه المغربي، الذي له عندك عهد -مِن قبل أن يأتيك الأمير سليمان بن ناصر ومِن بعد(3) - .. في الدعاء لكم بالنصر، مِن حين عرف يمينه مِن شماله، المولع بالتعصّب لأهل الإسلام وعُمّاله … » فهو يدعو للخليفة -أيّاً كان- بالنصر دائما وأبدا .. مُتعهِّداً ذلك، منذ فهم معاني النصرة؛ لأنه متعصب لأهل الإسلام، ومَن يحمل رايته .. فالقطب ذَكّر السلطان، بصلته بالأمير سليمان بن ناصر، لكن قبل ذلك وبعده، بعلاقة المسلم مع خليفة المسلمين، وما ينبغي عليه نحوه.

وكأني بالسلطان عبد الحميد، بعد اطلاعه على ما سبق .. يقول: فما المطلب يا سيّدي؟ فيجيب القطب: «أن تُطلق من سجن طرابلس الغرب، شابّاً صغير السن، عالم ابن عالم، مشهوراً في البُعد والقُرب، اسمه سليمان بن عبد الله، بُهِت بما لم يفعل، وجُعل حيثُ لا يُجعل، وما علمنا منه ضيرا، بل ما علمنا فيه إلا خيرا … وقد قرأ علوم العربية عندنا في المغرب، مع علم الكلام، وأقرأناه الفروع، ورشّحناه لأن يكون لكم طودا ومِن الأعلام» فماذا بقي بعد شهادة الشيخ على تلميذه وتعريفه به، فمهما كانت الدعوى ضده، فثمّة -بالضرورة- سوء فهم أو سوء تقدير،

(1) ينظر: محمد مسعود جبران، سليمان الباروني .. آثاره؛ الدار العربية للكتاب، د. ر. ط- 1991م،/ 34 - 36.

(2) العفو السلطاني كان بعد سجنه للمرة الثانية، بعد نقض حكم مجلس الاستئناف الذي برأه في المرة الأولى، ثم كان الحكم عليه ثانية بالنفي لمدة خمس سنوات، ثم تخفيف الحكم إلى سنة، يقضيها مع المحكوم عليهم بالنفي، ثم كان إطلاق سراحه بكفالة شرط أن لا تتعدّى تحرّكاته سور المدينة؛ ثم جاء العفو السلطاني، ويتصوّر دور القطب في هذه المرحلة، مع تقدير زمن العلم بالخبر وانتشاره، ووصوله مزاب في ذلك الماضي، وليس في مرحلة حكم مجلس الاستئناف بالبراءة .. [ينظر: يوسف بن بكير الحاج سعيد، تاريخ بني مزاب؛ المطبعة العربية- غرداية، ط2 - 1427هـ/ 2006م، /189].

(3) هذا الأمير ذكره القطب في رده على العقبي بقوله: «وإن لم تعرف الإباضية فهم الذين منهم الأمير سليمان ابن الناصر، الذي جاء عام 1318 إلى المغرب ونزل عندي، وهو أمير «دار السلام»، واحترمه الناس كلهم وعظّموه، ودخل الأندلس ليرى أثر مدن الإسلام والعلم، والتقى مع السلطان الكبير في قسنطنطينة، وأعطاه نيشانا، وبعض ما يُنسب إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- من ثوب، وأرسل إلي نيشانا، مثل الذي أعطى أخانا الأمير المذكور .. سليمان بن الناصر» [الرد على العقبي (مصدر سابق)؛ أ-هـ 1/ 14، /7و].

١٣ / ٢٠