شخصية القطب اطفيش من خلال تواصله مع الدولة العثمانية
الجزء ١ · صفحة ٩٦اطلاع -إلى حدٍّ ما- على مجريات الأحداث في العالم مِن حوله، وأن ثمة تكالبا غير مسبوق على الأراضي الإسلامية، من قِبل الدّول الاستعمارية النّصرانية الشّمالية، وأن ثمة دولة إسلامية لا تزال قائمة، تبسط نفوذها على شاسعٍ من تلك الأراضي، هي الدولة العثمانية .. فهذه الأفكار عادة ما يكون مصدرها، في تلك البيئة التي ترعرع فيها، ما يتسرّب من حديث أعيان الأمّة في أحوال السِّلم والحرب، وما يُبرم في ذلك من اتّفاقات، أو يقرَّر من خِطط، وأيضا ما يرويه المسافرون -ولاسيما حجّاج بيت الله الحرام كلّ عام- من أخبار أسفارهم، وما يمرُّون عليه من أحوال ومشاهدات، وما يُتلى عليهم من بيانات أو يُنشَر، ولا ريب أن ذلك كان من قوّة التّسامع، ما جعل شابّاً نبيهاً، مثل القطب -وهو في أواسط العقد الثالث من عمره- يُثبت عقب ختمه تفسير سُور القرآن الكريم، بدءاً من سورة مريم إلى الخاتمة .. هذه الصيغة من الدعاء: «اللهم ببركة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، وببركة السّورة أَخْزِالنّصارى وأَهِنهُم واكسِر شوكتهم، وغلِّب المسلمين والموحِّدين عليهم … »(1).
بل ثمة ما يدلّ على أنه كان اطّلاع على مجريات الأحداث في الدولة العثمانية وحروبها في البلقان مع الدولة الرّوسية، فقد أشار في تفسيره هميان الزّاد إلى دار المعاد، الذي انتهى من تأليفه سنة (1271هـ/ 1855م) إلى الحرب الشّهيرة بـ «حرب القرم» بقوله: «وقد افتخر ملك تلك الجهة المتّصلة بهما على ملك قسطنطينية، بأن مُلكي وصل سدّ ياجوج وماجوج، وذلك حين قاتل التّرك الموحِّدون المالكون لقسطنطينية، هؤلاء التّرك المشركين المدّعين أن مُلكهم اتّصل بالسّدين، واستعان التّرك الموحِّدون بعساكر العرب وغيرهم، وبروم المغرب مِن الفرنسيين وغيرهم(2)، وذلك حين بلوغي في تفسيري هذا سورة الأعراف … »(3).
وهذه الحرب المشار إليها كانت ما بين سنتي (1269 - 1272هـ/1853 - 1856م)، ودخول بريطانيا وفرنسا ومملكة سردينيا (= مملكة إيطاليا) الحرب إلى جانب الدولة العثمانية، فيما أشار إليه القطب .. كان في سنة (1270هـ-1854م)، وهذا يعني أن القطب كان -آنذاك- في السادسة والعشرين من عمره -على الأقل-.
ونلاحظ في هذا النص توظيف الجغرافيا القديمة «ياجوج وماجوج، السدّين، الروم، قسطنطينية»، وربما تفسير ذلك، أن الأخبار كانت تُتلقّى شِفاها، ثم يُدوِّنها المثقَّف من واقع ثقافته الجغرافية، المستمدّة من كتب الجغرافيا القديمة، وأيضا نلاحظ توظيف «الترك» بدل الدولة العثمانية، وهذا يعكس المشاعر تجاه تلك الدولة، فلم تعُد في عهد عبد المجيد(4) مثلا خلافة إسلامية، ترعى حقوق المسلمين، بقدر ما هي دولة تركية راعية لمصالحها.
وفي كتابه رَدُّ الشّرُودِ إلى الحوض المورُودِ، الذي كان يؤلِّفه عام (1286هـ/1869م)،
(1) ينظر: امحمد بن يوسف اطفيش، هميان الزاد إلى دار المعاد (مخطوط)؛ مكتبة القطب، يسجن، غرداية-الجزائر، رمز: أ-ب 1 - 1 ج3 (الربع الثالث)، أيضا: أ-ب 1 - 1 ج4 (الربع الرابع).
(2) حرب القرم: في عهدة السلطان عبد المجيد الأول (1823 - 1861م)، هي إحدى الحروب التي قامت بين روسيا والسلطنة العثمانية، وكانت في 18 جمادى الثانية 1269هـ/28 مارس عام 1853 م، واستمرت حتى سنة 1856 م. دخلت فيها بريطانيا وفرنسا الحرب في سنة 1854 م إلى جانب الدولة العثمانية، التي كان قد أصابها الضعف، ثم لحقتها مملكة سردينيا (= مملكة إيطاليا، بعد 1861 م). وكان من أسبابها الأطماع الإقليمية لروسيا، على حساب الدولة العثمانية، ولا سيما في شبه جزيرة القرم، مسرح المعارك والمواجهات، وكذا الصراع المذهبي على امتيازات المسيحيين في البقاع المسيحية المقدسة بين روسيا من جهة وفرنسا وبريطانيا من جهة أخرى. انتهت في 24 رجب، 1272هـ/ 30 مارس 1856م بتوقيع اتفاقية باريس، وهزيمة الروس .. [ينظر: أحمد عبد الرحيم مصطفى، أصول التاريخ العثماني؛ دار الشروق، ط2 - 1406هـ/ 1986م، حرب القرم والخط الهمايوني، /207 وما بعدها].
(3) هميان الزاد إلى دار المعاد (مصدر سابق)؛ رمز: أ-ب 1 - 1 ج2، 472و.
(4) السلطان عبد المجيد (1255 - 1277هـ/1839 - 1860م): والد السلطان عبد الحميد الثاني، اعتبر أول من أضفى على حركة التغريب صفة الرسمية، بما أصدر في عهدته من قوانين وتنظيمات تخدم هذا الجانب، واتهم بإبعاد الشريعة الإسلامية، والخضوع لوزيره رشيد باشا، الذي كان سببا مباشرا في حملة التغريب التي مهدت للأجيال من بعده، حتى تمكنوا من السلطة في آخر أيام هذه الإمبراطورية .. [ينظر مثلا: علي الصلابي، الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط؛ دار التوزيع والنشر الإسلامية، مصر، ط1 - 1421هـ/2001م، /374 وما بعدها، أيضا: أصول التاريخ العثماني (مرجع سابق)؛ /201 وما بعدها] والمرجعان يقدمان نظرة مختلفة!