شخصية القطب اطفيش من خلال تواصله مع الدولة العثمانية
الجزء ١ · صفحة ٩٧يروي القطب قصّة طويلة، نقلا عن أحمد بن قاسم الحجري الأندلسي(1) -وهو من أواخر الموحدين بالأندلس- في ذِكر ما وقع له بمدينة غرناطة مع القسِّيس الكبير، في شأن قراءة الرّق، الذي وُجِد في صومعة «تُربانة» وهذا عام (969هـ/1562م)، فمِمّا نقل القطب عنه قوله: «وأيضا كان في الجفْر(2) مكتوب، يقول: من أقصى المغرب على ماء البحر، يأتي سريعا أقوام إلى بلاد النصارى، وتصل الهملى إلى رومة، وذكر مما ينزل بالنصارى من الشرِّ والخسران .. شيئا كثيرا، وعلامة ذلك أن يملك الشرقيُّ مدينة البحر بلا محال، ولم يشك أحد ممن سمع ذلك؛ أن الشرقي هو سلطان المشرق، وأنه سلطان التّرك -نصره الله- … وذلك الرّق القديم كان مِن زمان سيدنا عيسى -عليه السلام- أو قريب منه جدّاً؛ لأن سسليوة الذي كتبه ووضعه في الصومعة خوفا من سلطان نيرون كما قال هو فيه، لأنه كان يقتل النصارى … »(3). هذه الرواية التي رواها القطب، حملت طابع النبوة، وتكشف للنصارى بعض (المغيّبات) التي قد لا تسرّهم، وقد أوردها القطب في سياق ذكر «حِجج رسالته -صلى الله عليه وسلم- من كتب الله تعالى والأخبار الصادقة» .. تفيدنا أن القطب ينظر إلى سلطان الترك، بهذا المنظار الرّوائي، الذي دُونه نصرة الله وظهور أهل الإسلام على أهل الملل الأخرى. وفي تصوّر امتداد هذا السلطان؛ ينقل القطب عن الورجلاني حديثه عن الأقطار، التي فتحها الله تعالى لنبيه -صلى الله عليه وسلم-، فذكر جلّها ثم قال: «وبعد الخمس مائة من الهجرة، فتح الله عليه بلاد السّودان إلى الجزائر الخالدات .. فهو ملك الأرض، فهو ملك الأرض، من فرغانة إلى غانة»، فعقّب القطب عليه بقوله: «قال المؤلف قلت: بل المغرب كله .. من الإسكندرية إلى الجزائر الخالدات في البحر المحيط، المقابلات لمرّاكش، ولم يذكر مِن وراء البحر إلى البرّ الطويل شيئا، مما يخرج إليه من مضيق الأندلس، وقد امتدت مملكة الترك في الإسلام، في البرّ الطويل من البحر إلى نحو ما يقابل مالطة، ودخل الإسلام مالطة أيضا، وجزيرة صقِّلية وجزائر صغار بين ذلك وبين الأندلس … »(4).
محل الشاهد في هذه النقول، هي في هذه الروح المحبّة لامتداد سلطان الإسلام، مع ملاحظة أن الوارجلاني(5) توفي قبل منشأ ما يُسمِّيه القطب بـ «مملكة الترك»، ولكنه عقّب كما لو أن الوارجلاني تغافل عن مزيد من أراضي الإسلام ..
وفي كتابه الإمكان فيما يجوز أن يكون أو كان، الذي كان يؤلِّفه عام (1302هـ/1885م)، وفي سياق حديثة عن دولة الحفصيين وأمرائها، بمناسبة ذِكر أن نسب جدِّه يتّصل بالحفصيين، فهو من ذرية عمر بن الخطاب الحفصي؛ نجده يقول: « … وانقضت دولة الحفصيين بتونس، فكانت بأيدي التّرك المسلمين إلى هذه الأعوام، ولكن لا تصفو لهم، وفي أوائل المائة الرابعة بعد الألف
(1) أحمد بن قاسم بن أحمد بن الفقيه قاسم، شهاب الدين ابن الشيخ الحجري الأندلسي (تـ: بعد 1048هـ/ 1638م): باحث مترجم عن الإسبانية، أصله من إشبيلية، انتقل إليها من قرية الحجر (إحدى قرى غرناطة)، ثم هاجر إلى المغرب، بعد أن عكف سنين على درس الإسبانية، حتى ظُنّ أنه إسباني، وتمكن بهذا من السفر إلى المغرب سنة 1007هـ، وأقام في مراكش إلى 1047هـ، فكان ترجمانا للسلطان زيدان بن أحمد المنصور السعدي، كما كان كاتبه باللغة الإسبانية، وحجّ سنة 1046هـ، وفي إيابه زار مصر، وصنّف كتابا في مناظراته مع بعض علماء النصارى واليهود في أوروبا سمّاه «ناصر الدين على القوم الكافرين»، وترجم عن الإسبانية كتاب «العز والمنافع للمجاهدين بالمدافع» وله أعمال ترجمة أخرى .. [ينظر: خير الدين الزركلي، الأعلام، دار العلم للملايين، ط5 - 1980، 1/ 198]. وعرّفه القطب بأنه «من الأندلس من أهل الحجر الأحمر، وهو آخر من خرج من الأندلس، وذكر من كتبه ذَوِْتَرنَمِيُ، بهذا الضبط (لم يذكره صاحب الأعلام)، ومنه نقل بعض ما أورده عنه في رد الشرود إلى الحوض المورود؛ أ-و9، /10و، مثلا. وكذا في الإمكان فيما جاز أن يكون أو كان؛ أ-ث 5، /30و، مثلا. وكذا في الرسالة المختصرة؛ أ-ث 2، / 8، مثلا.
(2) الجَفْرُ من أولاد المعز ما بلغ أربعة أشهر، وجَفَرَ جنباه اتسعا، وفُصِل عن أمّه، والأنثى جَفْرةٌ [محمد بن أبي بكر بن عبد القادر، مختار الصحاح؛ دار الكتب العلمية بيروت- لبنان، ط1 - 1410هـ/ 1990م، /52] وحسب السياق في هذا النقل فهو رق قديم، من زمان عيسى –عليه السلام-، كاتبه هو سسليوة، والله أعلم بحقيقته.
(3) امحمد بن يوسف اطفيش، رد الشرود إلى الحوض المورود (مخطوط)؛ بخط المؤلف، مكتبة القطب، يسجن، غرداية، أ-و9،/34و.
(4) المصدر السابق نفسه؛ /39ظ.
(5) يوسف بن إبراهيم بن مناد السدراتي الوارجلاني أبو يعقوب: (و ~: 500هـ- 570هـ / 1105م - 1175م)، من أشهر أعلام المذهب الإباضي في المغرب الإسلامي، درس في مسقط رأسه، ثم رحل إلى الأندلس للاستزادة، ونبغ هناك حتى لقب بـ «الجاحظ»، له عدة مؤلفات، منها «الدليل والبرهان لأهل العقول» في أصول الدين وعلم الكلام، و «العدل والإنصاف في أصول الفقه والاختلاف» و «مرج البحرين» في علم المنطق .. وغيرها، وبعضها مفقود [ينظر: مجموعة من الأساتذة، معجم أعلام الإباضية من القرن الأول الهجري إلى العصر الحاضر -قسم المغرب الإسلامي-؛ دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط2 - 1420هـ/ 1990م، 2/ 481].