شخصية القطب اطفيش من خلال تواصله مع الدولة العثمانية
الجزء ١ · صفحة ٩٩بذلك كله، ونعدُّ ذلك بعضاً مما تسلّل إليه عنها، وهو في تلك الحاضرة الصحراوية، في المغرب الأوسط من أرض الجزائر. فماذا عن تواصله الثقافي والسياسي، مع بعض أعلام هذه الدولة من علماء وسلاطين؟
لعل أول تواصل ثقافي مؤرّخ للقطب مع الدولة العثمانية وما يصدر منها، كان في حدود سنة (1283هـ/1866م)، تاريخ حلِّه للُغزٍ ورد إليه، وهو في الأربعين من عمره، بعد نشره في الجورنال(1) -على حد قوله-، ولعل الزخم الذي صاحبه جعل القطب يُقبل على حلِّه؛ مُراعيا اشتياق بعض الناس لذلك، وكذا الجهة التي صدر عنها؛ ولنترك القطب يتحدّث عنه بنفسه، فيقول: «إن لغزا ورد إلي من بحر الرّوم، يريد أهله شرح ما انطوى عليه من العلوم، وشاع في جزيرة الأندلس وسائر بلاد الغرب، وعجز عن حلِّه علماء العجم والعرب، وورد إلي اشتياق أهل مكة إليه، قائلين بلسان الحال، كل من حلّه من المسلمين، فكلّ تحيةٍ إسلاميّةٍ عليه، وأصله فيما أظن مِن الرّوم المسلمين من أهل قسطنطينية، أو من بلاد الشام خصوصا الأعمال الدمشقية، ورد في الجورنال وعجز عن حلِّه الناس، وفتحه الله لي ببركة سلفنا … »(2).
والروم تسمية يُطلقها القطب على كل مَن كان خلف البحر الأبيض المتوسط، وهنا يتعلّق الأمر بالروم المسلمين الأتراك من أهل قسطنطينية، وربما قرينة ذلك عنده وُرُوده في (الجورنال)، الذي يصدر عادة من تلك الجهة، وهذا ما يدفع القطب إلى الاهتمام، رغبة في التواصل .. لكن ما يدفعه -في تقديرنا- إلى الاهتمام أكثر به والتحدّي بحلِّه، هو ذلك الوصف الذي صاحبه، من عجز علماء العجم والعرب عن حلِّه، فلماذا لا يُعلي من شأن الإسلام وأهله، فيُمثِّل المسلمين في هذه المسابقة المفتوحة، وهو المعروف بحساسيّته تجاه الآخر في مثل هذه المواقف.
مهما يكن من أمر .. فقد أقدم على حلِّ ذلك اللغز ونجح في حلِّه، وأطال في شرحه ووجوهه؛ إذ الحل العبقري لا يكمن في ذكر الحل العام، بقدر ما يتجلّى في إيجاد مخارج لجميع فقرات اللغز، ولقد عُرف اللغز بـ «لغز الماء»(3)، وقيل إن الجواب وصل إلى الباب العالي، وتلقّى القطب تكريم السلطان عبد الحميد، إذ أرسل إليه نيشانا(4)، ولا دليل على ذلك؛ لأن حلّ اللّغز وتدوينه كان قبل تولي السلطان عبد الحميد مقاليد الخلافة العثمانية (1292هـ/1876م) بتسع سنين تقريبا، وأيضا نلاحظ أن القطب وظّف عبارة «الروم المسلمين الأتراك من أهل قسطنطينية»، وربما هي التسمية الشائعة لهذه الدولة، قبل أن يصبغ عليها السلطان عبد الحميد الثاني بإصلاحاته، التّسميات الأصلية من نحو «الخلافة الإسلامية» أو «الخلافة العثمانية» أو «خليفة المسلمين» بالنسبة للسلطان، وكسب بذلك عطف الرعايا المسلمين في الأقطار(5)، وثمة احتمال أن يتأخّر التكريم إلى زمن السلطان عبد الحميد، فيكون تكريمه للقطب، نظرا
(1) لا نستبعد أن يكون هذا الجورنال، هو صحيفة «الجوائب» لصاحبها أحمد فارس الشدياق، التي كانت تصدر في الآستانة، وقد تأسست عام 1277هـ، وفيها ورد اللغز الآخر، الذي قام بحله القطب، وسيأتي الحديث عن ذلك.
(2) امحمد بن يوسف اطفيش، شرح لغز الماء؛ ملتزم الطبع وناسخه أبو بكر بن الحاج قاسم القراري-الجزائر، أ-م 11، /3.
(3) مما ورد في نص اللغز بداية: «ما تقول في شيء يطير بلا جناح ويبيض ويفرخ في البطاح رأسه في ذنبه وعينه في موضع قرنه، يسمع بأذن واحدة، ويبصر بعين زائدة … وهو موجود في كل زمان يمازجه الإيقاف ويتلى في سورة قاف … » [شرح لغز الماء؛ /4]
وعلى كل .. فنصّ اللغز ليس جديدا، بل لقد عُرف منذ القرن التاسع الهجري، وربما قبل ذلك، وحلّه العلامة المحدِّث المقريزي أحمد بن علي بن عبد القادر الشافعي (845هـ/1442م)، تحت عنوان: «الإشارة والإيماء لحل لغز الماء»، وذلك سنة 823هـ، وتوجد نسخة منه -على الأقل- في جامعة الملك سعود بالرياض، والمجال مفتوح للمقارنة.
(4) ينظر: يوسف بن بكير الحاج سعيد، تاريخ بني مزاب دراسة اجتماعية واقتصادية وسياسية؛ المطبعة العربية- غرداية، ط2 - 1427هـ/ 2006م، / 180.
(5) وهي الفترة العثمانية، التي أطلق عليها الأوروبيون اسم «الاستبداد الحميدي» نسبة إلى السلطان عبد الحميد .. [ينظر: أصول التاريخ العثماني (مرجع سابق)؛ /238 وما قبلها وما بعدها].