شخصية القطب اطفيش من خلال تواصله مع الدولة العثمانية
الجزء ١ · صفحة ٩٨أخذها الفرنسيس … »، ثم عرّف بهذه المملكة التي كان قد التقى في موسم للحج ببعض أربابها -كما سيأتي- بقوله: «وتسمّى مملكة التّرك في الإسلام العثمانية، نسبا إلى عثمان بن أرضغول بن سليمان شاه، وسليمان هذا هو الذي أخذ تونس من أيدي الحسن المذكور ومن معه من النصارى(1)، فانقضت دولة الحفصيين من تونس … »؛ فإذن ثمة ما يربط القطب بالدولة العثمانية الإسلامية، التي أنقذت تونس بلاد الحفصيين -الذين يتّصِل بنسبهم- في آخر أيامهم(2)، من براثن النصارى الإسبان، حلفاء الأمير الحسن بن محمد بن الحسن بن مسعود، وأبقتها على صلة بالمسلمين، وهذا إلى ما قبل الوجود الفرنسي، في أوائل المائة الرابعة بعد الألف الهجرية، كما أشار القطب، وبالضبط في سنة (1881م/1299هـ).
وكان مما نقله القطب تعريفا بآل عثمان -نقلا عن ابن أبي دينار- .. قوله: «وتولّى بعد ذلك السلطان مراد بن أورخان بن عثمان، وهو أول من اتخذ المماليك وسمّاهم يكشرية، ومعناه العسكر الجديد» وأيضا نقلا عن الرواية الشفوية قوله: «وسمعت ممن دخل الجزائر من بني ميزاب الذين أدركوا دولة الترك فيها، أن فيها دارا تسمّى دار يكشرية أو قريبا من هذا اللفظ»، ثم ينقد ابن أبي دينار بقول: «وابن أبي دينار يُسمّي قسنطينة المغرب قسمطينة، بالميم قبل الطاء، ولا يصح ذلك عندي، بل نسبت إلى اسم قسطين، ملكها قبل الإسلام بانيها، ويوجد في بعض سكة النصارى قسطنطينة، كالتي في بر إسلام بول؛ إذ يقال قسطنطينية»(3).
في هذه النصوص يحاول القطب تعريف قرّائه بهذه الدولة، وبعض شخصياتها المؤسسة، وبعض ما يتعلق بمؤسساتها العسكرية، مع محاولة التدقيق والضبط في بعض المسمّيات التي لها علاقة بهذه الدولة، وهذه اللمحة التعريفية كانت بمناسبة إبراز الصلة بين الحفصيين والدولة العثمانية، وإلا ففي كتاب ابن أبي دينار «المونس في أخبار إفريقية وتونس» عرض لتاريخ هذه الدولة إلى حدود سنة (1092هـ/1681م) تاريخ تأليف هذا الكتاب، ولا ريب أن القطب قد اطلع على ذلك كله.
وفي كتابه الرسالة المختصرة(4)، التي ألِّفت بعد رد الشَّرود، نقرأ قوله: «ودخل الفرنسيس الجزائر عام ستة وأربعين ومائتين وألف، في شهر يوليه، وكانت في أيدي الترك قبل ذلك، [من] القرن العاشر، وحين تملّكها التّرك، كان الميزابيون يقصدونها للاكتساب»(5)، وفي هذا إشارة لتلك العلاقة التاريخية المعروفة، التي شملت يوما الجانب العسكري والاقتصادي والاجتماعي، وهي بحاجة إلى دراسة مستقلة.
ربما هذه أهم النصوص التي تحدّث فيها القطب عن الدولة العثمانية، سواء من الناحية العسكرية وبعض انتصاراتها في ذلك، أو من الناحية الجغرافية وامتداد سلطانها، وبعض ما يتعلّق
(1) هذا سبق قلم من القطب -رحمه الله-؛ لأن الذي أخذ تونس من يد الحسن هو خير الدين التركي، وهذا في حدود 940هـ[ينظر: محمد بن أبي القاسم الرعيني القيرواني المعروف بابن أبي دينار، كتاب المونس في أخبار إفريقية وتونس؛ مطبعة الدولة التونسية، ط1 - 1286هـ، /153].
(2) ينظر: المصدر نفسه، /169 وما قبلها وما بعدها. اعتمدت النسخة نفسها التي اطلع عليها القطب، وفيها أثر مطالعة له بتدوين عبارة «قف» على الحواشي.
(3) امحمد بن يوسف اطفيش، الإمكان فيما جاز أن يكون أو كان (مخطوط)؛ بخط المؤلف، مكتبة القطب، يسجن غرداية-الجزائر، أ-ث5، /11و-ظ.
(4) أفضِّل هذه التسمية التي أشار إليها القطب في المقدمة، على «رسالة شافية في بعض التواريخ»، التي ظهرت في النسخة المطبوعة، من وضع بعض النسّاخ، والتي نُسخِت سنة 1299هـ، كما أفضِّلها أيضا على «الرسالة الموسّعة في تاريخ وادي ميزاب»، التي ظهرت في نسخة مصوّرة بمكتبة القطب، منقولة من النسخة الأصل في المكتبة، وهي من وضع بعض الناس .. فالرسالة لا تغطي تاريخ وادَ مْزاب، فضلا أن تكون موسعة أو شافية في ذلك، وإنما هي مختصرات في الاحتجاج لإثبات رسالة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وفي منشأ واد مزاب وتسمية قُراه، ولمحات في تاريخ المذهب الإباضي ونشأته، وذكر بعض أعلامه على مرّ القرون، وذكر نسب الدين، وحتى لمحات من التاريخ الإسلامي والتاريخ العام، وكذا أبواب في التأريخ والأنساب، بل والطبيعة (باب في القوس الذي يكون طرفي النهار) .. والمؤلف بدأ تأليف هذه الرسالة بعد 1286هـ، تاريخ تأليف رد الشرود إلى الحوض المورود، ومن حين لآخر، يضيف إليها بعض التقاييد، ففي أثنائها يصادفنا تاريخ 1311هـ، كما يصادفنا تاريخ 1320هـ، ولا يبدو أن القطب أتم التأليف، بل كان عملا مفتوحا ..
(5) امحمد بن يوسف اطفيش، الرسالة المختصرة (مخطوط)؛ بخط المؤلف وغيره، مكتبة القطب- يسجن، غرداية- الجزائر، أ-ث 2، /173. من المعروف أن الوجود التركي العثماني في الجزائر، كان مع بداية العشرية الثالثة، من القرن العاشر الهجري، وبالضبط حوالي سنة 922هـ/ 1516 م، وبطلب من أهالي الجزائر، استنجادا من الخطر الإسباني على المدن الجزائرية.