عنديات القطب أطفيش البلاغية من خلال كتبه في التفسير والبلاغة
الجزء ١ · صفحة ٤٢٥على "الكاف" لقبح العطف على ضمير الجر المتصل بلا إعادة خافض أو لمنعه، ولو أريد لقيل: وخلْق ما يبث - بسكون اللام-؛ لأن الخافض المضاف ولو كان منفصلاً باستعارة لجاز نحو: إنّا كأَنت وزيدٍ، بجرّ "زيد" عطفاً على "أنت". ومن أجاز ذلك فلا قبح عطف "ما" على الكاف إن شاء". ثم انفرد الشيخ برأي فيه وجه نحوي آخر اعتمده وأقام عليه الدليل بقوله: "وعندي هنا وجه لم أره لغيرى وهو عطف "ما" على محل الكاف الذي هو النصب، لا محله الذي هو الجر، وذلك أن "الخلق " مصدر مضاف للمفعول".
- وفي قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ ﴿أطفيش،1980، 1/ 128﴾، ناقش الشيخ وجوه ما تحتمله الآية الكريمة من البلاغة، فذكر أن في قوله: "اشتروا" استعارة تبعية تصريحية تحقيقية، والمعنى: اختاروا الضلالة واستحبوها على الهدى الذي فطر الله الناس عليه. وفي قوله تعالى:"فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ" ذكر الربح والتجارة ترشيح الاستعارة المذكورة في "اشتروا"، لأنهما ملائمان للمشبه به، فإن الربح إنما ينفى عما من شأنه أن يقع فيه ولم يقع وهو الشراء الحقيقى، والتجارة طلب الربح بالبيع والشراء … وأولى منه أن يقال: هو الصرف بالبيع والشراء للربح، والربح الفضل على رأس المال، وكل ذلك ملائم للمشبه به ولكون الربح الفضل على رأس المال، … ونفى ربح تجارتهم تمثيل لخسارتهم وتصوير لحقيقتها.
غير أن الشيخ سارع إلى دفع إيهام من يتوهم أن بالآية تخليطا بلاغيا، فنبه -رحمه الله- بقوله: "فيجوز عندي أن يكون ذلك استعارة تمثيلية، لا يمنع ذلك كونه ترشيحاً للاستعارة السابقة عن هذه". ثم ذهب أكثر من ذلك ليبين أن للآية وجها بيانيا ثالثا، حيث قال: " … وحقيقة الكلام عما ربحوا في تجارتهم بإسناد الربح لأرباب التجارة، أو من الإسناد إلى السبب أو الملزوم، فإن التجارة سبب للربح وملزوم له ملوزماً بيانيا، أو من الإسناد للمخالط المجاور، فإن التجارة تخالطت التاجر، أو شبه التجارة بعبدهم أو خادمهم أو من يقيمونه على التصرف في أموالهم للربح على طريق الاستعارة المكنية، ورمز إليها بالربح؛ فكما أن العبد أو الخادم أو نحوهما جالب الربح أو خسران كذلك التجارة … ".
- وفي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿أطفيش، 1980، 5/ 350﴾ وهنا ينبغي أن نشير إلى أن كثيرا من أهل التفسير تحاشى الخوض في إعراب جملتي "لو" الأولى والثانية، فقد ذكر ذلك شيخ المفسرين التونسيين العلامة الطاهر بن عاشور ﴿الطاهر بن عاشور، 1974، 6/ 113﴾ بقوله:"وقد سكت المفسرون عن موقع إعراب هذه الجملة وهو دقيق .. ". وذلك أن المفهوم المتبادر للآية يفيد الاستحالة، إلا إذا قدر ما