فلسفة الأخلاق عند الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش خضير بن بكير بابا واعمر

فلسفة الأخلاق عند الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش

الجزء ١ · صفحة ٤٧٩

ويتفاوت الناس في الدرجات قدر تفاضلهم في اليقين، فالزيادة في اليقين تفيد مطلق الفضل، كما أن العاقل لا يشك في أن عين اليقين أقوى من علم اليقين، وأن حق اليقين أقوى من عين اليقين، ودليله قوله تعالى: ﴿أولم تؤمن؟ قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾ [البقرة: 260] فأثبت لنفسه حقيقة الإيمان ويقينَه، وطلب زيادة الطمأنينة برؤية العيان فلا منافاة فيه لما قاله على خلاف لمن وَهِمَ فيه.

وقد تعرض إلى اختلاف المتكلمين والصوفية في مصطلح اليقين، فأما المتكلمون والنظار فيعنون به عدم الشك، وأما المتصوفة فيعنون بها استيلاء الشيء المصدق به على القلب، وغلبته عليه حتى يصير هو المتحكم والمتصرف في النفس بالتحريض والمنع.

بيد أن اطفيش يرى أن من شأن علماء الآخرة صرف العناية إلى تقوية اليقين بالمعنيين جميعا، وهو نفي الشك، ثم تسليط اليقين على النفس حتى يكون هو الغالب المتحكم عليها، وهو المتصرف فيها(1).فبناء على المعنى الأول يوصف اليقين بالقلة والكثرة من جهة متعلقاته، ومتعلقات اليقين هي ما جاء به الأنبياء، وفي مقدمتها التوحيد. كما يوصف بالقوة والضعف حسب المعنى الثاني وذلك في الغلبة والاستيلاء على القلب.

ويسوق نماذج لمتعلقات اليقين وثمراته مثل:

- الثقة بضمان الله الرزق في قوله تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها﴾ [هود:6] فإن صحت ثقته لم يشتد خوفه ولا حرصه وشرهه وتأسفه، وأثمرت هذه الثقة جملة من الطاعات والأخلاق الحميدة.

- اليقين بالثواب والعقاب وهو أن يغلب على قلب المرء قولُه تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ [الزلزلة:7_8] فإن صح ذلك منه حرص على الطاعات قليلها وكثيرها، وتجنب المعاصي قليلها وكثيرها كما يتجنب السم قليله وكثيره.

- اليقين بأن الله تعالى مطلع عليك في كل حال سرك وظاهرك، فإن صح ذلك منك تأدبت في خلوتك وفي قلبك كالمشاهد لملك عظيم أكثر مما تأدبت به في مشهد الناس وفي ظاهرك، وورثت الحياء والخضوع والانكسار والخوف، فهذه أخلاق تورث أنواعا من الطاعات رفيعة.

فاليقين في كل باب من هذه الأبواب كالشجرة، والأخلاق كالأغصان، والأعمال الصادرة من الأخلاق كالثمار والأنوار(2).

• فضيلة الإخلاص والنية والإرادة

(1) _ المصدر نفسه: ج17/ 198 _ 202

(2) _ المصدر نفسه: ج17/ 203

٩ / ٢٠