لمحة عن الفقه المقارن
الجزء ١ · صفحة ٣٦٠(كان شديد الوطأة على الفساق والعصاة، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، لا تأخذه في الله لومة لائم شفوقا على الفقراء والمساكين، كريم النفس، سخي اليد، عطوفا على الملهوف، يفكر تفكيرا إنسانيا في أوسع آفاقه، شديد الاهتمام بأحوال العالم الإسلامي يفرح لفرحهم، ويحزن لحزنهم (
هذه شهادة تلميذه على جهاده ضد الفساد، وعلى شجاعته في الأمر والنهي، وعلى شفقته على الفقراء والمعوزين، وعلى اهتمامه البالغ بحالة المسلمين كافة.
يقول الأستاذ المؤرخ محمد علي دبوز عنه:
(وكانت مكتبته تحتوي على آلاف من نفائس الكتب، لقد استطاع بجده وعزيمته الفولاذية وغرامه وشغفه بالعلم أن يملك من الكتب النفيسة في أعماق الصحراء في وقت الفتن وصعوبة المواصلات، وقلة المطابع ما لم يملكه أغلب العلماء الجامعيين اليوم (
وفي شهادة المؤرخ محمد دبوز بيان لغزارة اطلاعه وحبه للعلم وجمع مصادره، ولاقتحامه للعقبات المتعددة رغم إمكاناته المادية المحدودة، ورغم الفتن وصعوبة الاتصالات في ذلك الزمان.
تكوين ملكة البحث والمقارنة لدى الشيخ القطب
كانت مسيرة حياته صعبة لكنها ناجحة. وقد تكونت فيه شحنة ربانية ساعدته لاقتحام عقبات الفقر واليتم ليتفرغ كليا إلى استظهار كلام الله تعالى أولا وهذا مما أفصح لسانه الأعجمي مبكرا، ثم عكف على التعلم وعلى المطالعة المتواصلة متزودا بما يحصل عليه من الكتب حتى استوعب معظم ما فيها وتفرغ بصفة موازية إلى التعليم والوعظ والتأليف حتى صار مصدرا لعلوم عصره بما أتاه الله من حافظة واسعة وأنه يدرك أي مسألة قرأها أين توجد بالضبط ويرشد إليها طلبته بتعيين الكتاب والصفحة؛
كان تدريسه المبكر جعله أكثر حرص لمزيد من التعلم ومن التمحيص إذ حمله تلاميذه الوافدون عليه من شتى النواحي مسئولية الإجابة على مسائلهم المتعددة والمتنوعة حتى صار قبلة للتدريس والتوجيه والاستشارة؛ وحمله ذووه عبء الفتوى في الصغيرة والكبيرة؛ وكل هذه المسئوليات تحمَّلها على صغر سنه وجعلته أكثر حرص لمزيد من التفقه ولتمحيص معلوماته بصفة دائمة ومستمرة.
وكان إخلاصه وحرصه على تحري إجاباته الفقهية والعلمية صفات تدفعه حتما إلى جمع