مباحث علوم القرآن في تيسير التفسير للشيخ اطفيش محمد بولقصاع

مباحث علوم القرآن في تيسير التفسير للشيخ اطفيش

الجزء ١ · صفحة ٢٧١

مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 106]. وفيما يلي مثال على إثبات النسخ أو عدمه من قبل الشيخ.

أ- مثال عن آية ثبت نسخها عند الشيخ، فمن ذلك عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ [المجادلة: 12]: "أكثروا التناجي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا سيما الأَغنياء لحبهم الفخر بالمناجاة ولو في غير مهمٍّ، ويغلبون الفقراء على المجلس، حتى ثقل عليه ذلك، وأصابه الملل، وكان سخيَّ النفس لا يرد أحداً عن حاجة، فأَمرهم الله - عز وجل - أمر ندب، وقيل: إِنه أمر إِيجاب، وإنه نسخ بقوله - عز وجل -: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾ [المجادلة: 13] على الصحيح"(1).

ب- مثال عن آية لم يثبت نسخها عند الشيخ، فمن ذلك عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ﴾ [النساء: 15] "لما نزل الجلد والرجم قال - صلى الله عليه وسلم -: «هما السبيل، خذوا عني، خذوا عني»(2)، وليس ذلك نسخا؛ بل غاية؛ لأنه ذكر السبيل هنا غاية، وآية الجلد ودلائل الرجم بيان لا نسخ، … وكأن الأمور بالتدريج"(3).

المبحث الثاني: أسباب النزول.

يعرفه العلماء بأنه: "ما نزل قرآن بشأنه، وقت وقوعه، كحادثة أو سؤال»(4).

وسبب النزول أحد أهم علوم القرآن الكريم، وما ذلك إلا لعلاقته المباشرة بتفسير الآية، إذ يعد سبب النزول أحد الشواهد الأساسية في ترجيح معنى الآية، ولهذا الغرض اهتم به علماء التفسير عناية كبيرة حتى أن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنهم - قال: «والله الذي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ من كِتَابِ اللَّهِ إلا أنا أَعْلَمُ أَيْنَ أُنْزِلَتْ، ولا أُنْزِلَتْ آيَةٌ من كِتَابِ اللَّهِ إلا أنا أَعْلَمُ فيما أُنْزِلَتْ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنِّي بِكِتَابِ اللَّهِ تُبَلِّغُهُ الْإِبِلُ لَرَكِبْتُ إليه»(5) ، وهو يقصد الاهتمام بهذا العلم.

والذي يقرأ تفسير " تيسير التفسير" يجد غاية الاهتمام بهذا العلم من قبل مؤلفه، بالعرض والتحقيق في سبب نزول الآية، وفيما يلي بعض القواعد التي تندرج تحت هذا المبحث والتي تعرض لها الشيخ في تفسيره منها:

1 - العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب: حيث نرى أن قطب الأئمة ـ رحمه الله ـ في هذه المسألة قد وافق جمهور المحققين من العلماء من أن الآية وإن كان سبب نزولها متعلق بشخص بعينه، أو حادثة بعينها، إلا أن حكمها يعم سائر المؤمنين، لأن القرآن كتاب هداية عامة، لا يختص بالصحابة وحدهم، وإن كان بعضهم السبب المباشر في نزول الآية لحكمة أرادها الله.

فنقرأ مثلا عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195]. حيث ذكر سبب نزول هذه الآية قائلا: "قال أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري: لما أعز الله الإسلام وكثر أهله رجعنا إلى أموالنا وأهلنا

(1) - المصدر نفسه، ج14، ص405.

(2) - مسلم، صحيح مسلم، كتاب الحدود، باب حد الزنى، ج3، ص1316، حديث رقم1690.

(3) - اطفيش، تيسير التفسير، ج3، ص167.

(4) - المجالي، الوجيز في علوم الكتاب العزيز، ص67.

(5) - البخاري، صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب القراء من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، ج4، ص1912، حديث رقم.4716

٤ / ١٦