مباحث علوم القرآن في تيسير التفسير للشيخ اطفيش محمد بولقصاع

مباحث علوم القرآن في تيسير التفسير للشيخ اطفيش

الجزء ١ · صفحة ٢٧٢

نقيم فيها ونصلحها، فنزلت الآية، … وفسر بعض التهلكة بالدخول فى وسط العدو، وفسر بالبخل ونحو ذلك مما مر، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب"(1).

ونقرأ أيضا في سبب نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة:159]. أنه: "سأل معاذ بن جبل، وسعد بن معاذ، وخارجة بن زيد نفرا من أحبار اليهود عن بعض ما في التوراة فكتموا، فنزلت، وقيل: نزلت في الكاتمين من اليهود والنصارى، إلا أن خصوص السبب لا يدفع عموم الحكم، فالآية تعم من كتم من أهل التوحيد ما لا يجوز له كتمه من أمر الدين"(2).

من هذين المثالين وغيرهما كثير يبين القطب ـ رحمه الله ـ أن الغالب في سبب نزول الآية أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

2 - تحقيق القول في أسباب النزول: كان القطب ـ رحمه الله ـ يدقق في الروايات ولا يسلم لها، فنقرأ مثلا عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: 28] أنه ناقش سبب نزول هذه الآية حيث قال: "كما روي أن أمية بن خلف ونحوه من كبار قريش، وعيينة والأقرع من المؤلفة قالوا: اطرد هؤلاء الفقراء لضعفهم، واتساخ ثيابهم نجالسك، وننقل عنك، فنزلت الآية، لكن أمية في مكة والمؤلفة في المدينة، والصحيح أن السورة مكية"(3).

2 - الاستعانة على فهم الآية بسبب النزول: فمن أهم فوائد معرفة سبب النزول أنه يعين على فهم الآية فهما صحيحا؛ لأن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب.

فنرى القطب -رحمه الله- عند تفسيره لكثير من الآيات يعتمد على سبب النزول الذي يوضح معنى الآية، فلا تمر آية وفيها سبب نزول إلا أوردها القطب في تفسيره، ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: 26]. يستعين على فهم هذه الآية بذكر سبب نزولها حيث قال: "والصحيح ما ذكر عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه ذكر الله سبحانه أصنام المشركين فقال: ﴿وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ﴾ [الحج: 73] وذكر كيدها وجعله كبيت العنكبوت ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ﴾ [العنكبوت: 41]، فقالوا، كيف ينزل الله ذكر الذباب والعنكبوت؟! فنزلت الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي﴾ [البقرة: 26](4).

3 - صورة سبب النزول قطعية الدخول في الآية: وافق القطب -رحمه الله- ما ذهب إليه جمهور المحققين من أن سبب النزول الذي نزلت من أجله الآية إنما داخلة بالقطع والتأكيد في معنى الآية، فعند تفسيره لقوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ

(1) - اطفيش، تيسير التفسير، ج1، ص ص: 421 ـ 422.

(2) - المصدر نفسه، ج1، ص 327.

(3) - المصدر نفسه، ج8، ص330.

(4) - اطفيش، تيسير التفسير، ج1، ص50.

٥ / ١٦