مباحث علوم القرآن في تيسير التفسير للشيخ اطفيش
الجزء ١ · صفحة ٢٧٥- وهناك قيد في التعريف خالف فيه القطب ـ رحمه الله ـ غيره وهي مسألة ما نزل أثناء الهجرة، فاعتبر القطب ـ رحمه الله ـ أن ما نزل بعد الهجرة وقبل الوصول إلى المدينة مدني، لكن الذي عليه المحققون أن ما نزل في أثناء الهجرة قبل أن يصل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة؛ فهو مكي، يقول السيوطي في الإتقان: «وما نزل في طريق المدينة قبل أن يبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة فهو من المكي، وما نزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - في أسفاره بعد ما قدم المدينة فهو من المدني وهذا أثر لطيف يؤخذ منه أن ما نزل في سفر الهجرة مكي اصطلاحا»(1).
إذن فهناك آيات نزلت أثناء الهجرة منها قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد: 13]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: 85]، فهذه الآيات وغيرها عدها العلماء من المكي لأنها نزلت أثناء الهجرة وقبل بلوغ النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة.
2 ـ من ضوابط المكي والمدني: أشار القطب ـ رحمه الله ـ في عدة مواطن من تفسيره إلى بعض الضوابط التي من خلالها تعرف السورة أهي مكية أم مدنية ومن جملتها مثلا قوله:
- " وما فرض القتال إلا في المدينة"(2). إذن فكل سورة جاء الحديث فيها عن القتال فهي مدنية باتفاق.
- "لأن حقوق المال شرعت في المدينة"(3). فالسور التي تتضمن أحكام البيوع والربا والدين والشهادة والعقود والتجارة والمعاوضات والاقتصاد … وغير ذلك من المعاملات المالية هي سور مدنية.
- ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ مكي، وقلَّ مدنيا، كما في هذه السورة ـ يعني البقرة ـ والنساء والحجرات، فإنهن مدنيات"(4). يعني بذلك ـ رحمه الله ـ أن كل سورة فيها "يا أيها الناس" وليس فيها "يا أيها الذين آمنوا" فهي مكية.
4 ـ الإحتجاج بالمكي والمدني: كثيرا هي المسائل التي ينتصر فيها القطب ـ رحمه الله ـ والتي يعتقد الصواب فيها وذلك بمقتضى علمه بالمكي والمدني فمثلا:
عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 8] يقول القطب ـ رحمه الله ـ: " نصَّ على أن الثلاثة للزينة ولم يذكر الحلَّ للأَكل والآية مكية، والحمر الأَهلية حرمت في المدينة عام خيبر عند الجمهور، وفى الصحيحين عن جابر بن عبد الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن لحوم الحمر الأَهلية»(5) أَي في المدينة فهي قبل ذلك على الحل، والأَصل في الأشياءِ قبل النزول الحلُّ إلا ما تبين"(6).
(1) - السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج1، ص35. وانظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ج1، ص188. الألوسي، روح المعاني، ج26، ص36.
(2) - اطفيش، تيسير التفسير، ج14، ص204.
(3) - المصدر نفسه، ج16، ص249.
(4) - المصدر نفسه، ج1، ص 35.
(5) - البخاري، صحيح البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب لحوم الحمر الإنسية، ج5، ص2102، حديث رقم 5202.
(6) - اطفيش، تيسير التيسير، ج7، ص410.