مباحث علوم القرآن في تيسير التفسير للشيخ اطفيش
الجزء ١ · صفحة ٢٧٤آيات هن أول ما نزل … ولو كان أول ما نزل فاتحة الكتاب ـ كما قيل ـ لكان قوله: «ما أنا بقارئ» كذباً أو عناداً حاشاه عنهما، ولو صح لقلنا: إن الفاتحة أول ما نزل جملة، أو أول ما نزل متتابعاً لم يفصله غيره أو أول ما نزل في رسالته المتأخرة عن نبوته بثلاث سنين(1).
ويرد ما مزاعم من قال بأن أول ما نزل هو صدر سورة المدثر، مؤولا كلامهم بأن صدر سورة المدثر أول ما نزل في موضوع الدعوة إلى الله - عز وجل - حيث يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: 1] "عن جابر: إنها أول ما نزل، ولا يصح عنه هذا؛ فإِن هذه السورة نزلت بعد سورة المزمل بثلاث سنين وهو وقت إِرساله، وكان قبلها نبياً غير رسول .... ولعل جابرا أراد الأَولية بالإِضافة إِلى الإِرسال بالإِنذار، أي أول ما نزل من الإِرسال بعد فترة الوحي"(2).
2 - آخر ما نزل: قسَّم القطب ـ رحمه الله ـ آخر ما نزل من القرآن على النحو التالي:
- آخر سورة نزلت كاملة هي سورة النصر(3).
- آخر سورة نزلت ولم ينزل بعدها ما ينسخها من قرآن أو سنة متواترة هي سورة المائدة، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «المائدة من آخر ما نزل فأحلوا حلالها وحرموا حرامها»(4)،(5).
- آخر ما نزل على الإطلاق قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 281]، وعاش - صلى الله عليه وسلم - بعدها واحداً وعشرين يوماً، وهو الصحيح(6).
المبحث الرابع: المكي والمدني.
1 - تعريفه للمكي والمدني: عرَّف القطب ـ رحمه الله ـ المدني بقوله: "والمشهور أن ما نزل بعد الهجرة وقبل الوصول إلى المدينة مدني"(7)، وزاد " وما نزل بعد الهجرة مدني، ولو نزل في غير المدينة"(8).
مناقشة التعريف:
أ- المعول عليه في هذا التقسيم بين المكي والمدني هو الهجرة، ولم يعول ـ رحمه الله ـ على المكان كأن يقول: المكي ما نزل بمكة، والمدني ما نزل بالمدينة، لأن هناك آيات وسور لم تنزل لا بمكة ولا بالمدينة كالتي نزلت ببدر وتبوك و … وهذا ضابط دقيق ينطبق على جميع السور والآيات بمجرد معرفة وقت نزلها قبل الهجرة أم بعدها، فسورة النصر مثلا نزلت بمكة ولكن السورة مدنية باتفاق لأنها نزلت بعد الهجرة.
فنخلص من تعريف الشيخ للمكي والمدني والذي عليه الجمهور(9) بأن: المكي ما نزل قبل الهجرة إلى المدينة ولو كان نزوله خارج مكة، والمدني ما نزل بعد الهجرة ولو خارج المدينة.
(1) - المصدر نفسه، ج16، ص291.
(2) - المصدر نفسه، ج15، ص380.
(3) - اطفيش، تيسير التفسير، ج3، ص440.
(4) - لم أعثر على الحديث. لكن ذكره السيوطي في الدر المنثور، ج3، ص4. وابن حجر في فتح الباري، ج5، ص412. لكن دون نسبته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن حتى صح عن ابن عباس وعائشة وعمرو بن شرحبيل وجمع من السلف أن سورة المائدة محكمة.
(5) - المصدر نفسه، ج3، ص479.
(6) - المصدر نفسه، ج2، ص ص: 205 ـ 206.
(7) - المصدر نفسه، ج16، ص124.
(8) - المصدر نفسه، ج5، ص362.
(9) - انظر: ابن عطية، المحرر الوجيز، ج2، 143. ابن جزي، التسهيل لعلوم التنزيل، ج1، ص5. القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج6، ص30.