بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٤٢٦

قلت: فإذا قال ملحد: وكيف أنزل الله قرآنا على محمد وأحل له شيئا ثم حرمه، وحرم عليه شيئا ثم أحله ونسخ منه شيئا؟

وقال أبو عبد الله: ما كان من القرآن من الأخبار والأنبياء والتخويف فهو بحاله لم ينسخ، وأما ما كان فيه من الحلال والحرام والأحكام، فمنه ما هو ثابت بحاله ومنه ما نسخه الله بعلمه به وبعباده ولا يسأل عما يفعل، وقد يحل الله الشيء ثم يحرمه ويحرمه ثم يحله كما أراد وعلم ولا يسأل عما يفعل، وقد كان الله أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي إلى بيت المقدس وجعله قبلة وهو كان قبلة الأنبياء والرسل والمؤمنين من الأمم قبل النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إلى بيت المقدس ثم حوله إلى الكعبة وجعلها قبلته وقبلة أمته فلا تجوز تلك القبلة إلى بيت المقدس، وقد أحل الله أشياء لبعض الأنبياء والرسل وأمتهم وحرم ذلك على غيرهم من الرسل والأنبياء وغيرهم، ومن ذلك أن الله تعالى حرم على بني إسرائيل أكل زكاة أموالهم ولم يحلها لغني ولا فقير منهم وإنما كانوا يخرجون زكواتهم ويجمعونها ثم تنزل عليها نار من السماء فتأكلها، وقد أحل الله لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أكل زكواتهم على ما أحل الله في كتابه وجاءت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان أحل لابني آدم نكاح أختيهما وحرم ذلك على غيرهما، وقد كان صيام شهر رمضان على الأنبياء والرسل وأمتهم من قبل محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين أنه إذا نام واحد منهم في الليل فلا يحل له الطعام والشراب بعد ذلك النوم على يومه حتى تغرب الشمس ويدخل الليل، ومن لم ينم منهم في الليل فالطعام والشراب له حلال في الليل إلى طلوع الفجر، وإلى أن ينام قبل ذلك، وكذلك كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثم خفف الله عنهم وأحل لهم الطعام والشراب والنكاح في الليل إلى طلوع الفجر، فأنزل الله عليه * (*أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ*) *(1) إلى آخر الآية.

(1) سورة البقرة: جزء من الآية 187.

١٬٠٩٦ / ٤٬٣٨٩