بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٢٢

الجهل له، والمعصية بجهله دون أن تبلغه الدعوة فيه، وتقوم عليه الحجة به، وأنه لا يكون جاهلا بها بعينها من لا يقدر على علمها بحال من الحال؛ لأنه لا يقدر على علم شيء إلا بعد بلوغ علمه إليه.

وكلما لا يقدر على نظر شيء إلا بعد بلوغ نظره إليه، فكما لا يقدر على سمع شيء إلا بعد بلوغ سمعه إليه، ولأنه لا يقدر على علم ما لا يقدر عليه من العلم، كما لا يقدر على ما لا يقدر عليه من البصر والسمع، وكما لا يقدر على ما لا يقدر عليه من العمل.

وقد قيل: إن على الإنسان أن يصلي قائما إذا قدر على القيام فإن عجز عن القيام فقال من قال: ليس له أن يصلي قاعداً إلا أن لا يقدر على القيام، وقال من قال: إن له أن يصلي قاعداً إذا شق عليه القيام، وكان لا يتمكن في صلاته على إذا قام، كتمكنه فيها إذا قعد فنقلوه من فرض إلى فرض، وحطوا عنه فرضا من أجل المشقة، فالقيام في الصلاة مع المشقة أيسر على الإنسان من تكليفه ما لا يقدر عليه بحال من الأحوال.

ولا يجوز على العلماء أن يلزموا في مخاطبتهم، ولا في سيرهم ولا في آثارهم ما لا يجوز في المعقولات، وما هو معدوم، وإنما معنى قولهم: إنه لا يسع جهلها من بلغه خبرها ودعوتها، وقامت عليه حجتها، أو جاحد بها فقد هلك تاركها فعليه الخروج من حال الهلاك إلى حال السلامة.

وأما من لم يقدر على علمها بحال من الأحوال، فلا يهلك بجهلها حتى تقوم الحجة عليه بها، وإنما لم يفسر العلماء هذا التفسير لعلمهم أنه لا يجوز غير هذا، ولعلم من خاطبوه وقبل منهم ذلك أنه إنما يسع جهالها من بلغه خبرها أو جحد بها أو شك فيها، أو في شيء منها، وإنما ألزمنا أنفسنا الاجتهاد في هذا الحرف وتفسيره إذ خشينا أنه قد هلك فيه عامة المتأولين لآثار المسلمين من الضعفاء المجتهدين، فالله الله معاشر أهل الإسلام في تأويل الكتاب والسنة أو الآثار لغير تأويل ذوي الأبصار،

١٬١٤٠ / ٤٬٣٨٩