بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٢٣

فإن هذا عندنا أنه قد تاه فيه كثير من الخلق، وإنما أخاف أن يكون الشيطان قد أعمى قلوب الضعفاء المجتهدين عن إصابة الحق في هذا الوجه؛ لأنهم قد يجعلونه أصلاً لدينهم وهو كذلك، إلاّ أنّه على وجهه فانظر من أين جاءهم عدو الله من وجه الاجتهاد والتشديد في أصل دينهم، وليس يجوز في جميع الأشياء إلا موافقة الحق في الضيق والسعة.

فإن قيل: فمن أين أدركت أنت هذا؟ وما دليلك عليه وقد مضت الآثار عن ذوي الأبصار في السير، والجوابات والتقييد والسماعات بغير تفسير لهذا، وإنما ثبت عنهم أنّه لا يسع جهل الجملة؟

قيل له: من اجماعهم أنّه لا يسع جهلها أخذنا هذا عنهم أنّه لا يكون جاهلا لها إلا بعد علمها، وإلا فلا يكون أبدا جاهلا لها في أصل ما تعبده الله بالجهل الذي يكون جاهلا به، وكيف يكون جاهلا بشيء مسمى به بعينه عنده لا يعلمه، ومن قول الله أيضا: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (البقرة: 286)، أي إلا طاقتها فيما تعبدها به من دينه، فصح معنا أنّه لا طاقة له إلى بلوغ علم شيء من الأشياء إلا بمشاهدة علمه له، وبلوغه إليه بوجه ما يطيق عليه، وإلا فخرج إلى أن يكلف ما لا يطيقه.

ومن وجه آخر أنا قلنا: إنه من كان من المتعبدين في أرض مثل سفالة أو جزيرة من جزائر البحر لم يبلغه خبر هذه الجملة أنّه يسعه جهلها، وإذا بلغه خبرها لم يسعه جهلها، فلما كان هذا المنقطع في الجزائر والفيافي إنما يسعه جهلها إذا لم يعلمها، وإذا علمها لم يسعه جهلها، لم يكن للجزائر والفيافي والبقاع هاهنا معنى، وإنما المعنى هو علم المتعبد بها وجهلها، فكل من علمها من المتعبدين كان بأرض منقطعة عن أرض الإسلام، أو كان بأرض متصلة بالإسلام، فلا يسعه جهلها.

١٬١٤١ / ٤٬٣٨٩