الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٢٥ما لا يقدر على بصره من المبصورات إلا بآلة هي غيره، وغير المبصور عاجز أن يبلغ نفسه إلى البصر بآلة هي غيره وغير المبصر، والآلة عاجزة أن تبلغ غير إلى بصر، وهكذا المخلوقات عاجزات مضرورات أن يقمن بأنفسهن عند غيرهن إلا بغير الغير، وإنما الذي يقدر على الأشياء بغير الغير هو الله عز وجل سبحانه، كذلك لا يقدر الإنسان على علم شيء إلا بآلة تبلغه إلى علم ذلك.
وقد قيل: إن الإنسان ثابت له الإيمان والإسلام مذ كان نطفة في ظهر أبيه، ومذ كان جنينا في بطن أمه مأخوذ عليه الميثاق به، وقد قال الله عز وجل: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا﴾، فثبت هذا الإقرار، وهذه الشهادة، وهذا الميثاق لهم وعليهم، وقال الله عز وجل: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (الروم: 30)، ثم قال: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (الروم: 30)، فكان هذا الخطاب عند من تأوله، إنما هو من الدين، وأن الإنسان مولود على الدين.
وإن كان يوجد في بعض تفسير القرآن عن قومنا غير هذا، فالذي عرفته عن بعض فقهاء المسلمين ما قد ذكرته، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «كل مولود فهو مولود على الفطرة، وأي على الدين هكذا عندي، وإنما يهوداه أبواه وينصرانه»، فوجدت في التأويل أن معنى ذلك أن أولاد اليهود والنصارى وكذلك غيرهم من المشركين يجري عليهم ما يجري على آبائهم من الأحكام في الدنيا من النجس، وقطع الصلاة والسباء وتركهم على دين آبائهم، لا يجبرون على الرجوع عن دين آبائهم إلى دين الإسلام بعد بلوغهم، إذا لم يكونوا أقروا بالإسلام بعد بلوغهم، وأن أولاد أهل الإقرار محكوم عليهم بالإسلام، ولو لم يقروا به بعد بلوغهم، ولا يقدرون على تركه، والدخول في غيره من أديان أهل الشرك، وبالطهارة، وغير ذلك من حكم الإسلام.