بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٥٢

غيرهم بغير ما يجوز في دين الله، كان عاصيا، وإنما تجوز البراءة من أعداء الله مما يجوز في دين الله البراءة به، ولو وجب ولاية إنسان قبل أن يتعبده الله بولايته لوجب ذلك في جميع أولياء الله، ولو لزم السؤال عن ولي الله قبل أن يلزم السؤال عنه في دين الله للزوم ذلك في جميع أولياء الله، ولو لزم البراءة من إنسان قبل أن يتعبده الله بالبراءة منه، للزم ذلك في جميع أعداء الله، ولو لزم السؤال عن عدو الله قبل أن يلزم السؤال عنه في دين الله للزم ذلك في جميع أعداء الله.

ولو لزم إنسانا أن يتولى وليا لله أو يبرأ من عدو لله قبل وجوب ذلك عليه للزمه ذلك في جميع أولياء الله، وفي جميع أعداء الله، ولو لزمه ذلك لعجز عن القيام به، وكان في تكليفه ذلك مالا يقدر عليه، وتعالى الله أن يكلف عباده ما لا يطيقون.

وأما الأئمة الحاضرون كانوا من الأئمة العادلين أو الجائرين، فقد قيل إنه لا يسع من شاهدهم جهلهم لظهور عدلهم وجورهم معهم، ولا من كان معهم بحضرة إمام عدل أو من رعيته، فعليه طاعته، وعليه نصرته، وعليه تسليم زكاته إليه، وعليه الانقياد له فيما حكم به عليه، وما أشبه هذا من الحقوق اللازمة لأئمة العدل على رعيتهم، وأهل مملكتهم.

فإن ركب هذا الإمام معصية زالت بها إمامته، ولم تجز له نصرته ولا طاعته، ولا تسليم زكاته إليه، ولا ثبتت إمامته ولا شيء مما لا يجوز لأئمة العدل، ولأجل هذا وما أشبهه لم يسعه جهله، وأما الأئمة العادلون السالفون، فلم يتعبد الله من لم يكن في عصرهم بطاعتهم ولا نصرتهم، ولا تسليم زكاته إليهم، ولا شيء مما يلزم الرعية لأئمتها، فلأجل هذا وسع جهلهم.

فلما كان المشاهد للأئمة متعبدا فيهم، ولهم بعبادات لم يسع جهلهم، ولما كان الأئمة الماضون غير متعبد بهم ولا فيهم بشيء مما ذكرنا، وسع جهلهم، وكانوا بمنزلة الرعايا، فمن وجب عليه ولاية أحد منهم

١٬١٧٠ / ٤٬٣٨٩