بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٨٨

أن يحكم فيها -نسخة- فيهم أو فيما خانوا الله فيه بالحق سريرة، وليس إظهار ذلك عند من لم يعلم كعلمه، فيكون مضادا لحجة الله، ومن ضاد حجة الله فهو مبطل، لأنه قد قيل إن جميع حجج الله التي قد جعلها الله حجة على عباده ليس لأحد مخالفتهن فيما احتمل فيه صدقهن وكذبهن، إذا لم يعلم كذبهن فمتبعهن مصيب، والمخالف لهن مبطل في ظاهر دين الله، فمن علم صدقهن أو كذبهن حكم في ذلك بما يسعه إن شاء الله، لأن الفقيه إذا أفتى بما خالف الكتاب أو السنة أو الإجماع فلا يكون قوله حجة، وليس لأحد قبوله منه، ولو حسب واحتمل معه صدقه وكذبه.

فإن لم يجمع العلماء على صواب هذا المحدث وحقه، ولا على باطله وخطئه، واختلفوا فيه، فحكم بعضهم بحقه وحكم بعضهم بباطله لم يصح فيه إجماع لأحدهم، لأنه لو أجمع أحدهم على حقه وأجمع الآخرون على باطله كان هذا الإجماع منهم هو الاختلاف بعينه، وكيف يكون مجتمعا عليه مختلفا فيه؟ هذا من تناقض القول وليس لأحد أن يحكم فيه بحكم الإجماع عليه إذ قد ثبت الحكم فيه باختلاف، لأنه ليس لأحد أن يحكم باختلاف في موضع الإجماع، ولا بالإجماع في موضع الاختلاف، لأن الحكم في ذلك مفتر وليس بواحد.

وإذا كان الحدث مما قد جاء فيه الاختلاف من المسلمين بولاية فاعله والبراءة والوقوف عنه، وأجمع العلماء والمشاهدون لذلك الحدث على ولاية محدثه، أو البراءة منه، أو الوقوف عنه، لم يكن هذا الإجماع منهم مزيلا لحكم ما فيه من الاحتمال والاختلاف، لأنه قد يجوز أن يكونوا أخذوا كلهم بقول من أقاويل المسلمين إذ ذلك كله جائز من الولاية أو البراءة أو الوقوف، ولكنهم لو اجتمعوا على باطل محدث، والإنكار عليه أو صوابه، وحكموا بذلك في حين ما يكونون حكاما عليه وفيه، لم يجز لهم ولا لغيرهم أن ينقضوا ذلك الحكم الذي قد ثبت منهم، لأن ذلك الحكم حجة لمن اتبعه محكوم له بالصواب في

١٬٢٠٦ / ٤٬٣٨٩