بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٩١

ويحتمل لراكبها الحق والباطل، لأن من أكل ذلك من ضرورة فهو محق، ومن أكله من غير ضرورة فهو مبطل.

كذلك من نكح ذات محرم بغير علمه بمعرفة نسبهن، فهو محق، وإذا كان مع معرفته بنسبهن فهو مبطل، فكذلك لم يكن ظاهر هذا الفعل موجبا لكفر فاعله، ولا قاطعا لعذره إلا بعد علمه أنه فعل ذلك على الوجه الذي هو محرم في دين الله، لأنه يمكن أن يكون الآكل أكل من ضرورة، فيكون ذلك الفعل حقا، ويكون الفاعل محقا، لأن الله أحل ذلك، ويمكن أن يكون الآكل أكل من غير ضرورة، فيكون ذلك الفعل باطلا، ويكون الفاعل مبطلا، لأن الله حرم ذلك، فلما احتمل حق هذا الفعل وباطله، احتمل حق فاعله وباطله، ولم يكن لمن غاب عنه حق ذلك وباطله أن يحكم فيه بالحق أو بالباطل إلا بعلم.

وكذلك إذا اختلف فيه مختلفون، فادعت فرقة أن الفاعل فعله على الوجه الذي يجوز في دين الله وتولوه على ذلك، وحكموا بصوابه، وادعت الفرقة الأخرى أنه فعله على الوجه الذي لا يجوز في دين الله، وتبرءوا منه على ذلك، وحكموا بباطله لم يكن هذا الاختلاف بينهم موجبا لكفرهم، ولا كفر أحدهم ما لم يخطئ بعضهم بعضا، أو يقيم بعضهم على بعض حجة ينقطع بها عذرهم، أو ينزل أحدهم بمنزلة القاذف، لأن كل فرقة قد ادعت صفة هي جائزة في دين الله، ولا يعلم حقهم وباطلهم، ولا صدقهم وكذبهم، إلا من علم أصل ما اختلفوا فيه كعلمهم.

ولا يجوز لمن خفي عليه أمرهم أن يحكم لأحدهم بحق أو عليه بباطل إلا بعلم، فلما خفي أمرهم، واحتمل حقهم وباطلهم في دعاويهم وقعت، لعله وقف لتكافئها، ولم ينفذ فيها بحكم إلا بصحة، وكان المختلفون على ما كانوا عليه من قبل، ولم يكن هذا الاختلاف بينهم زائدا في حكمهم ولا مخرجا لهم من اسمهم، فافهم هذا.

١٬٢٠٩ / ٤٬٣٨٩