بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ١١٦

لا يجوز إلا أن يكون العلماء الذين أفتوا بهذا محقين صادقين، ولا يحتمل أن يكونوا مبطلين ولا كاذبين، لأن هذا المعنى لا يحتمل فيه إلا صدقهم وحقهم، وليس هذا مما يحتمل فيه حقهم وباطلهم، وصدقهم وكذبهم في دين الله، ولو أنهم أفتوا أن أكل الميتة من غير ضرورة حلال، أو أكل لحم الخنزير من غير ضرورة حلال، أو ما أشبه هذا من دين الله لم يجز قبول ذلك منهم، ولو أفتوا بذلك وشهدوا بحلاله، وأجمعوا على حلاله، لما جاز قبول ذلك منهم، ولا اتباعهم ولا تصديقهم، ولكانوا سفهاء خصماء محجوجين مخلوعين مبطلين في دين الله، لأن هذا لا يحتمل فيه صدقهم وكذبهم، ولا حقهم وباطلهم، ولا يحتمل في هذا إلا كذبهم وباطلهم.

وهذا هو أصل البدع، ومنه تخرج أحكام البدع، فافهم هذا الفصل وما أشبهه في دين الله، فهو مثله، وأعلم أن هذا الفصل ليس للعلماء ولا للضعفاء، ولا لأحد ممن صح معه، وكان مشاهدا له أو غائبا عنه أن ينتقل حكمه، وعما ثبت عليه في دين الله، ولا يقبل في إزالته عن حكمه، ولا تبديل لحكمه وتغييره إجماع ولا شهادة ولا فتوى، ولو أجمع على ذلك جميع الخلق، ولن يجمعوا فافهم هذا.

وأما الأحداث المحتملات للحق والباطل الذي يكون إجماع العلماء فيها حجة، ولا تجوز مخالفتهم في الظاهر في دين الله، فمنها الولي إذا قتل وليا، فإن أجمعت العلماء أنه قتله بحق لم يكن لأحد أن يحكم فيه بحكم الاحتمال، ولا يجوز أن يحكم فيه أنه مبطل، وكان إجماع العلماء في ذلك حجة وإن أجمعوا أنه قتله بغير حق، وأنه مبطل لم يجز لأحد أن يحكم فيه بحكم الاحتمال، ولا يجوز أن يحكم فيه أنه محق، لأن العلماء حجة لله فيما أجمعوا عليه من حق القاتل وباطله، ولا يجوز لأحد أن يخالف حجة من حجج الله، فإن اختلف العلماء في القاتل فقال بعضهم: إنه محق في قتله، وقال بعض: إنه مبطل في قتله، وتنازعوا واختلفوا كانت دعاويهم

١٬٢٣٤ / ٤٬٣٨٩