الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ١٦٩ومن كان عالما بأمورهم، وظهر على أخبارهم، وبلغه ذكرهم فواجب عليه معرفة المحق من المبطل، والضال من المهتدي، ومن عجز عن المعرفة بوجوب الكلفة، وعميت عليه الدلالة عن سبيل الحقيقة، فليس بمعذور حتى يأتي بالمعرفة على وجهها من سبيل التي هي أقوم من الفريقين المتفقين على الإقرار بالجملة، واسم النحلة، واختلفوا في الدعوة لأنفسهم من إصابة الحق، وإقامة العدل في الأحداث العارضة والأمور المتناقضة بالآراء المكتسبة والأهواء الغالبة، وعدم أن يكونا جميعا على السنة والشريعة.
وبالحق اليقين أن أخذ الوسيلة عند الله، والقربة إليه، وقد قال الله: ﴿وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (التوبة:107)، وقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ (البقرة: 204 - 206).
وإن أحد الفريقين لحقيق بهذه الصفة ليس بخارج منها، ولا بعيد عنها، فلا تسع الجهالة بهم، ولا الشك عنهم -نسخة- فيهم، ولا يسع الوقوف عنهم جميعا، لأنه أئمة يستحلون بغي بعضهم على بعض، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم، وإن أحد الفريقين ليس من الذين آمنوا وعملوا الصالحات يعلمه الله، وأولوا العلم الذين هم على بينة من ربهم، ولا يعتريهم الشك في دينهم، ولا الريب في تقيتهم، ولا اللبس في إيمانهم، وقال الله: ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (التوبة:105).
وليس من العدل والصواب أن يقال: إن الفريقين جميعا على هدى، ولا يقال: إنهما جميعا على ضلال.