بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٣١

وكلامه الذي هو به متكلم لم يزل أن يكونا شريكين أو أن يكون إلهين(1).

(1) مسألة خلق القرآن من المسائل التي بليت بها هذه الأمة بعد أن اختلط فيها الحابل بالنابل وتلبست بكثير من الأفكار الدخيلة نتيجة انضمام كثير من الشعوب إلى حظيرة الإسلام، وهي لا تزال متلبسة بمعقداتها القديمة، حريصة على مواريثها الفكرية، وكثير من هؤلاء كان إعلانهم الإسلام ستاراً تكمن وراءه مؤامرات حاقدة على الدين لم تلبث أن كدرت معين فكره، ولوثت صفاء عقيدته، ولم يكن في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- وفي عهد صحابته -رضي الله عنهم- عندنا كان الإسلام غضا طريا، وكانت عقيدته صافية نقية وجود لهذه الأبحاث والمناظرات في أوساط المسلمين بل كانوا يعتقدون في القرآن أنه كلام الله ووحيه وتنزيله، ويعتقدون بجانب ذلك أن الله خالق كل شيء، وما سواه مخلوق له، وإنما وجدت هذه الأبحاث والمناظرات ثغرات لتلج من خلالها إلى عقول المسلمين وأدمغتهم عندما تخلخلت صفوفهم نتيجة الفتن الداخلية، وإذا نظرنا إلى غالب ما كتبه الكاتبون في هذه الموضوعات وجدنا مقالاتهم مصطبغة بالعصبيات متأثرة بالانفعالات، بعيدة عن الموضوعية التي يجب أن ترتكز عليها أبحاث العلماء، ومن هذه المقالات المشار إليها، هذا المقال الوارد في هذا الكتاب فإن ما تجده فيه من ردود على المعتزلة ومن اتفق معهم أو اتفقوا معه في مسألة خلق القرآن، تشم منه رائحة العصبية وترى عليه آثار الانفعال ولو أخذت تفتش بين طوايا هذه الردود عن الحق لوجدته بمنأى عنها، وناهيك بما في هذه الردود من التناقض الكفيل بتبخرها وتلاشيها تلقائيا، فقول صاحب المقام إن الكلام صفة من صفات الذات والله عز وجل لم يزل موصوفا به، ثم قوله من بعد: والقرآن صفة من صفات ذاته، والله لم يزل موصوفا به، وليست صفاته غيره … إلخ. كلام يدل على عدم التبصر والإمعان من قائله، كيف؟ وصاحب المقال نفسه يقرر أن صفات الله سبحانه هي عينه وليست غيره ويقرر بجانب ذلك أن القرآن الكريم هو صفة من صفات ذاته وهذا يعني أن القرآن هو عين ذات واجب الوجود سبحانه وتعالى، مع أن القرآن منزل من عند الله ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ وهو بالتالي متلو بألسنة الناس، مخلوط بأقلامهم، مسطور في صحفهم، وهل يتصور عقل سليم وقوع ذلك كله بالقرآن، وهو صفة من صفات ذاته تعالى وصفات الذات هي عين الذات، -كما قرر صاحب المقال نفسه- وكما هي عقيدتنا في الصفات- والتناقض يتجلى واضحاً أيضاً بين قول صاحب المقال: إن القرآن لم يزل قائماً بالله وما يستلزمه قوله، وليست صفاته غيره من كون القرآن عين حقيقة الذات العلية، فإن قوله لم يزل قائما به يفيد أنه غيره -كما هي عقيدة الأشاعرة في صفات الذات- وقوله: وليست صفاته غيره يفيد خلاف ذلك، أما قوله ولا يجب إذا قلنا: إن الله لم يزل، وكلامه الذي هو به متكلم، لم يزل أن يكونا شريكين أو يكونا إلهين، وتنظيره ذلك بكلام الإنسان الحادث من حيث عدم استلزامه مشاركته له في الإنسانية كمشاركته إياه في الحدوث … إلخ كلام لا تنهض به حجة لدعواه، فإن الإنسان غير منفرد بصفة الحدوث بل كل المخلوقات مشاركة له فيها، بينما صفة القدم خاصة بالله وحده، وهي من مستلزمات ربوبيته وألوهيته، ولذلك يستلزم أن يكون من يشاركه في هذه الصفة شريكاً له في الربوبية والألوهية، تعالى الله عن ذلك كله علواً كبيرا، وقد أكدت النصوص القاطعة شمول خلق الله لكل ما سواه كما يقتضيه دليل العقل فقد قال سبحانه في وصف نفسه: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وقال: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ وقد أجمع المسلمون على أن كل سوى الله فهو مخلوق له، وممن حكى هذا الإجماع العلامة ابن حزم في كتابه المحلى.

١٣٠ / ٤٬٣٨٩