الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٣٣ودراك، وكذلك الظلمة لم تزل وإنها حساسة ودراكة، وإنما متباينان منذ الأزل ثم امتزجا، فكان من جزءين، ومنهما الممتزج العالم الذي فيه الخير والشر.
ومنهم المرقوبية الذين يقولون: نور لم يزل وهو ضياء وخير، وظلمة لم تزل وهي ظلام وشر، وواسطة بينهما دون النور وفوق الظلام، ووقع الامتزاج من الظلمة والواسطة، والنور يخلصه، وإن تلابس موصوفين قائمين وصفة أحدهما غير صفة الآخر، وكل واحد منهما فعال عالم، فكيف يسعه قول من قال: إن الله لم يزل، وكلامه لم يزل، وعلمه وقدرته وصفات ذاته لم تزل، وإنه صفة لله لم يزل به موصوفاً، غير مشبه لقول أهل التثنية، وبخاصة الديصانية منهم، الذين قالوا شيئين قديمين، وإن أحدهما يوصف بأنه عالم قادر سميع بصير حي خبير فاضل، والآخر موصوف بأنه جاهل عاجز أصم أعمى شرير مذموم، يكون منه الشيء بطبعه وهو ظلمة محض، وإن النور يكون منه الشيء بإجبار وهو نور محض، وكل ما وصف الآخر بضده وخلافه، وإن القديمين هما الأصلان الموصوفان القائمان بأنفسهما، وكل واحد منهما ذاهب في جهة غير جهة الآخر في عالم المزاج، لأن النور من شأنه أن يعلو عندهم، والظلمة أن تستقل وترسى، فهذا قول هؤلاء.
وأهل الصفات ما قالوا بذلك، ولا قصدوا بقصده، وليس بينهما مشاكلة ولا مشابهة، فكيف استحل هذا القائل بأن يطلق إذا قلنا إن الصفات قديمة، وأن الله لم يزل متكلما بكلامه، وكلامه صفة له قديم، أن يكون شريكا، ومع ذلك فقد ترك الشاهد، لأن الشركة هي أن يتعاونا على شيء يفعل أحدهما بعضه ويفعل آخر بعضا آخر، كالبناء والخياطة وحمل الشيء وما جانس ذلك،