بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٣٤

أو يملكان عينا بينهما كالعبد والدار والعقار وما أشبه ذلك، أو يكون رضى كل واحد بنفع شيء يكون جزء منه لزيد وآخر لعمرو مثل أن يجعل لأحدهما من خدمة العبد المشترك بينهما يوم له ويوم لشريكه، أو لا يقوم العبد بعمل لأحدهما إلا بقدر ما يقوم به للآخر، وبهذا تكون الشركة بينهما واقعة، ولا يدخل شيء من هذا فيما قال أصحاب الصفات: إن الله عز وجل قديم وكلامه قديم وما الذي ينكر أن يكون الكلام قائما بالله لم يزل به متكلماً، ليس بفعل ولا مربوب ولا محدث، لأنه لو كان مخلوقاً فإنه لا يخلو إما أن يكون خلقه الله في نفسه فيكون محلا للحوادث وتعالى ربنا عن ذلك أو خلقه قائما بنفسه فيستحيل أن يكون الكلام قائما لأن ما قام بنفسه فهو موصوف والكلام صفة(1) والصفة لا تقوم بنفسها بل تقوم بموصوف، وهذا باب يوافقنا

(1) لقد كثر الأخذ والرد، بل الخبط واللبط عند كتاب المقالات حول القرآن وسائر الكتب المنزلة، هل هي مخلوقة لله عز وجل؟ أو قديمة غير محدثة ومنشأ هذا الاضطراب الذي دفع بهؤلاء إلى هذه الهاوية السحيقة المظلمة الرهيبة التي لا قعر لها، ولا بصير من نور يرى بين جنباتها، هو التباس كلام الله القديم الذي يراد به نفي الخرس عنه سبحانه بالقرآن وسائر الكتب المنزلة، وعدم التوصل إلى ما بين الكلامين من فوارق تتجلى لأفهام أولي البصائر، والخلاصة أن العلماء اختلفوا في إثبات الكلام النفسي لله عز وجل، فمن أثبته أثبت لله صفة قديمة تسمى كلاما، ومراده بذلك نفي الخرس عن الله سبحانه في الأزل وفيما لا يزال، كما ينفي بالعلم الجهل، وبالقدرة العجز، وبالحياة الموت، وبالسمع الصمم، وبالبصر العمى، وهذا هو مذهب الأشعرية وقال به غير واحد من أصحابنا العمانيين، ومن نفاه وهم المعتزلة وجماعة من أصحابنا أهل المغرب كالإمامين أبي يعقوب الوارجلاني وأبي ساكن الشماخي، قالوا: إن ضد الكلام السكوت وليس الخرس بدليل أن الإنسان يسكت عن الكلام مع قدرته عليه، وقد اكتفى هؤلاء في نفي الخرس عن الله بإثبات القدرة له تعالى وأولئك الذين يثبتون الكلام النفسي القديم لله سبحانه يقولون بخلوه من الأصوات والحروف، ولقد جاء العلامة ابن أبي نبهان في بيان حقيقة خلو الكلام النفسي عن الأصوات والحروف، حيث قال ما معناه: إنما مثل ذلك -ولله المثل الأعلى- مثلا كلام سلطان الجوارح، وهو القلب أو الدماغ (الجهاز العصبي) فإنه يتصل بكل جارحة من الجوارح آمرا وناهيا وباعثاً موجهاً، بكلام عار عن الأصوات والحروف، ولا تستطيع جارحة ما أن تتمرد عليه، فإذا كان هذا السلطان -وهو مخلوق- له هذا النفوذ في مملكته، وتتصرف جميع الجوارح حسب أمره من غير أن يكون بينه وبينها خطاب يشتمل على الصوت والحروف، فكيف بالحي القيوم الذي استند الوجود إلى قيوميته، فإن جميع الكائنات تنفعل حسب أمره، من غير أن يكون بينه وبينها خطاب صوتي وحرفي، وذلك المراد من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ انتهى بمعناه، وأما القرآن وسائر الكتب المنزلة فهي أيضا كلام الله ولكنه يختلف عن الكلام النفسي من حيث تلبسه بالصوت واشتماله على الحروف الهجائية التي لا خلاف في خلقها، وقد أوضح كل من العلامة ابن أبي نبهان والمحقق الخليلي -رحمهما الله- وجه إضافة هذا الكلام إلى الله حيث قالا ما معناه: لنفرض أن الله سبحانه خلق كلاماً غير هذا الكلام المنزل وكونه من حروف ينطق بها الناس ثم أمر القلم أن يسطره في اللوح المحفوظ، وأمر أحد ملائكته أن ينزل به إلى أحد خيار خلقه في الأرض ليتلوه على الناس، ويأمرهم بتلاوته والعمل به، فأخذ الناس يتلونه بألسنتهم ويخطونه بأقلامهم، فهل الأجدر بهذا الكلام أن يضاف إلى هؤلاء الناس؟ أو إلى من أنزل إليه منهم؟ أو إلى الملك الذي نزل به؟ أو إلى القلم الذي خطه؟ أو إلى الله الذي خلقه بنفسه؟ وأنزله بعلمه؟ لا شك أن كل أحد يدرك أن الصواب إضافته إلى الله، وضرب المحقق الخليلي -رحمه الله- مثلا ما تتناقله ألسنة الناس وأقلامهم من قصائد الشعراء، ومقالات الكاتبين، فإن روايتهم لها وعنايتهم بتدوينها لا يجعلها تضاف إليهم دون أصحابها، وبهذا يتجلى اللبس ويتضح الإشكال.

١٣٣ / ٤٬٣٨٩