الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٢٠٧وكما أن المقتتلين السافكين لدماء بعضهما بعض هما من أهل نحلة الحق، من أهل دين الحق، وكما أن المتبرئين من بعضهما بعضا هما من أهل نحلة الحق، ومن أهل دين الحق.
وهكذا أحكام المتداعين كلهم كن اختلافهم وتداعيهم، في أحكام دنيا أو أحكام دين.
فإذا كان كل فريق يدعي دعوى يحتمل حقها في دين الله، لم تقم على أحدهم حجة يصح بها باطله، وينقطع عذره، ولا قامت لأحدهم حجة يصح بها حقه، وتزول بها الشبهة من أمره فأحكامهم كلها مشكوكة موقوفة، ولا يجوز أن يشهد على مدع بباطل فيما يدعيه من غير أن يعلم باطله، وإنما قولنا هذا كله إذا كان المتداعون قبل اختلافهم على نحلة الحق.
ثم اختلفوا فإن اختلفوا في شيء مما يخرج من أحكام البدع فالمبطل منهم خارج من نحلة الحق، ولا يكونوا كلهم من أهل نحلة الحق، وإن اختلفوا في شيء مما يخرج من أحكام الدعاوى المحتملة للحق والباطل، فكلهم من أهل نحلة الحق، وكلهم من أهل دين الحق، وجائز ولاية جميع المختلفين في بعض القول إذا كان قد تقدمت لهم ولاية مع من تولاهم، والله أعلم.
قال غيره:
يخرج من معاني قول أبي سعيد أنه إذا اختلف العالمان في شيء من المحرمات في دين الله، وكان ذلك المحرم ما يسع جهله، وهما ممن تقوم بفتياه الحجة، فالمحق منهما هو الحجة على من علم باختلافهما، وعلى العالم المبطل المخالف له قبول قوله وهو الحجة عليه.
لأن حجة الله تقوم على من علمها، على من جهلها، وعلى من وافقها، وهذا هو أكثر أن العالم الواحد حجة فيما يسع جهله،