بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٢٢٠

وهذا بحر عظيم لا أحيط بوصفه، وكل هذا القول الذي وصفناه إنما هو على قول من يقول: إن الحجة تقوم بضلال المستحل من العقول، وهو أكثر القول فيما عندي.

فانظر في هذه الأشياء الخفية التي تقوم بها الحجة على العاصي الجاهل من عقله، ولا يعذر بجهله، فإنما تؤيد قول من قال: إنه إذا اختلف العالمان في شيء من دين الله، فأحله أحدهما، وحرمه أحدهما، أن الحجة تقوم على من علم باختلافهما، وعليه تصديق العالم المحق، وقبول قوله، ويكون حجة عليه، ولو جهل ذلك.

وقد قيل: إنه يسع جهل ضلال المستحل، ويسع الشك في ذلك، والوقوف فيه، والله أعلم.

وعلى هذا القول فإنه يسع الشك في المستحل والشك، فيمن صوبه، وأنه لا تقوم عليه الحجة في ذلك من عقله، وأنه يسعه جهل علم الشهادة على نفسه وعلى غيره، والشهادة لنفسه ولغيره، بما وصفناه في القول الذي نقول إنه تقوم عليه الحجة بضلال المستحل من عقله، والقول الذي قيل: إنه لا يسع جهل علم ضلال المستحل، إنما هو بعد أن يعلم أن حرمة ذلك الشيء الذي استحله المستحل هي من كتاب الله، أو من سنة رسوله، أو من إجماع المحقين من الأمة.

وأما إذا علم ذلك الشيء حرام، ولم يعلم أنه محرم من كتاب الله، أو من سنة رسوله، أو من الإجماع، ولا أنه محرم من غير ذلك، فقد قيل: إنه يسعه جهل علم ضلال المستحل، ويسعه الشك فيه، فافهم هذا وتدبره، وهكذا عندي أنه قيل.

وأما إذا كان المختلفان في الدين في شيء مما يسع جهله، وهما من ضعفاء المسلمين، فأحل أحدهما ما هو حرام في الدين، وحرمه الآخر، وهما وليان للعالم باختلافهما، فإن الولاية فيهما بالرأي، والوقوف

١٬٣٣٨ / ٤٬٣٨٩