الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٤٠وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ … *) *(1) كذا قال، فيقال له هذا ما لا نقوله، لأن القرآن كما قال الله: ليس بفعل ولا مخلوق ولا محدث، ولا يجوز أن يفعله الخلق، لأنك تعلم أننا إذا قلنا إنه ليس بمحدث لله عز وجل، ولا مصنوع وأنه لم يزل، قد استحال أن يكون صنع صانع أو مخلوق لله عز وجل، أو لأحد مما اعتللت من الآي فيدخل على قول من أصحابكم مثل معمر، ومن قال بالطبائع أنه فعل السحرة بطبعه، وأن الله ما تكلم به، لأن الكلام عنده لا يكون إلا بعلاج وأدوات، وأنه فعل الطبع إما حيوان أو موات، ولأنه لازم له ولمن ادعى خلقه، وإن كنتم تكفرون هؤلاء بذلك، فيلزمكم مثل ذلك، لأن في قول الله عز وجل: * (*قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ*) * دليلا على أنه غير مخلوق(2)، لأن المخلوق مقدور على جنسه ومثله، وإن كان أحدهما فعل الله، والآخر فعل العبد، كالحركتين اللتين إحداهما فعل الله، والآخر فعل العبد كسبا فهو مثله.
(1) الآية 88 من سورة الإسراء.
(2) ليس في عجز البشر عن الإتيان بمثل القرآن دليل على قدمه، وإلا لكانت الكائنات كلها قديمة غير مخلوقة، لعجز البشر عن الإتيان بمثلها، فالمطر النازل من السماء، والنبات الخارج من الأرض، والتمر الناتج من الشجر والهواء المتموج في الفضاء، والقلوب النابضة، والعقول المفكرة، بل كل خلية في الجسم أو ذرة في الوجود كله الأجرام والمحراث لا تحدث أحداً من خلق الله نفسه أن يأتي بمثلها، فهل يصح أن يقال أن ذلك دليل على قدمها، ولقد ضرب الله للناس مثلا في الذباب، وعدم قدرة أوليائهم الذين يدعونهم من دون الله على خلقه مع أنه من أصغر الحيوانات المعروفة، فقد قال عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ فهل في هذا أدنى دليل يصح الاستمساك به على أن الذباب قديم؟.