بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٢٩١

العدول منهم على المسلمين في ذلك، فكانت الحدود والبراءات بمنزلة واحدة فيما أجمعوا عليه من القول في ذلك.

وجاء الأثر المجتمع عليه: أنه إذا وقع شيء ليس فيه حكم منصوص ثابت من كتاب الله، أو سنة الرسول، أو إجماع المسلمين، فاختلف في ذلك أنه ينظر أشبه الأشياء بذلك، فيلحق به حكمه، ولا نعلم شيئا يشبه البراءة مثل الحدود، لأنها خارجة من الحقوق كلها، ولا يشبهها شيء من الأشياء، وإنما تخرج في جميع أمورها مخرج الحدود.

والإجماع من قول أهل العلم أنه لا تجوز الشهادة على الشهرة في شيء من الحدود، ولا شيء من الحقوق إلا في النكاح والموت والنسب وما أشبه ذلك، فقد بطلت الشهادة على الشهرة في جميع الحدود والقصاص، وعامة الحقوق، ولا نعلم شيئا من أحكام الإسلام يعدو معنيين: إما حد، وإما حق.

فالبراءة بالحدود لاحقة، وعلى شبهها خارجة، ولا ينكر أحد ذلك فيما علمنا، إلا أن يكون على المكابرة، فشهادة الشهرة معنا على الأخبار في البراءة ضعيفة من أجل هذه العلل وغيرها، ولا تقدر على إجازتها، ولا الأخذ بها، غير أن لا نخطئ أحدا من المسلمين، ولا نرد عليه ذلك، فافهم هذا.

فإن شهد الشاهدان على أحد بحدث ممن تجوز شهادتهما عليه، وبينا أن ذلك من طريق ما صح معهما من الشهرة لحدثه، فلا يجوز ذلك معنا على ما قد بيناه وأخبرناه، وإن لم يبينا أنه من طريق الشهرة، وشهدا عليه قطعا فإن كان حيا جازت شهادتهما عليه، وإن كان ميتا لم تجز شهادتهما عليه، وقد مضى القول في جواز الشهادة على الأحياء والأموات وحجرها، وكيف تجوز ممن تجوز ما فيه كفاية، وحيث لم تجز الشهادة إلا على الأحياء،

١٬٤٠٩ / ٤٬٣٨٩