بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٢٩٩

بهم أنهم لا يدعون عليه إلا الحق، ولا يقولون عليه الباطل في هذا القدر القريب، لكان مبطلا.

ولو أن حاكما حكم لهم بدعواهم، أو بشهادتهم لأنفسهم كان مبطلا كافرا، أو هذا ما لا أعلم فيه اختلافا.

وفلما كان لا يجوز هذا في الدعاوى في أحكام الدنيا، لم يجز فيه أيضا قبول دعواهم ولا شهادتهم على دعواهم في أحكام الدين، والدعاوى في أحكام الدين عندي أشد من الدعاوى في أحكام الدنيا، وكل ذلك لا يجوز قبوله، فافهم هذا.

فلما كان لا يجوز قبول دعوى العلماء في أحكام الدنيا، لم يجز الحكم لهم بذلك، ولو أن حاكما من خيار أهل عصره حكم لألف عالم، أو أقل أو أكثر بدعواهم، وهم خيار أهل عصرهم، لكان على العلماء أن ينكروا عليه ذلك، فإن لم يقبل كان عليهم عندي أن يبرءوا منه بذلك، ولكان عليهم أن يضللوه، وكذلك لو أجمعنا على البراءة ممن أجمع المسلمون على البراءة منه في موضع ما يكونون مدعين أو قذفة، لكان عليهم أن ينكروا علينا البراءة بمن قد وافقناهم في البراءة ممن قد أجمعوا على البراءة منه، ولكنا لهم مخالفين، ولم نكن لهم موافقين في الدين، ولو برئنا كبراءتهم، فافهم هذا والله أعلم.

فشهرة البراءة والخلع، أو المفارقة، وكل ذلك يخرج مخرج الدعوى، وعلى من علم ذلك من العلماء أن يتولاهم على براءتهم أو فراقهم، أو خلعهم لذلك الذي برئوا منه، أو خلعوه أو فارقوه في دينهم، ولا يسمى ذلك إجماعا لأنه دعوى، والدعوى لا تكون إجماعا، وسواء قل العلماء أو كثروا، سمع ذلك منهم أو شهر عنهم، فلا يجوز قبول قول ذلك منهم، لأنه دعوى، والدعوى كلها في أحكام الدنيا أو أحكام الدين لا يجوز قبولها، ولا التقليد لمن ادعاها، ولا الحكم بها له، ولا الشهادة معه بها على أهلها، ولا نعلم

١٬٤١٧ / ٤٬٣٨٩