بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٣٦٧

فبعدا لمن رضي لنفسه بالخسار، وقلد في دينه الربانيين والأحبار، على مخالفة لحكم الآثار، كسبيل من خلا قبلهم من الفجار، وقال الله عز وجل: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ﴾ (التوبة:31) فجاء في التأويل أنهم لم يتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، ولا آلهة مع الله، ولكن قلدوهم دينهم، واتبعوا قولهم فيما لا يحل لهم أن يتبعوهم فيه، فخالفوا في اتباعهم لقول أحبارهم ورهبانهم الحق في ذلك، واستحقوا عند الله عز وجل أن سماهم الله بأنهم قد ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ﴾.

ثم لم يرض هؤلاء العماة على مخالفتهم لدين المسلمين إذ برءوا من الناس بغير حق اتباعا وتقليدا لبعض المسلمين، إذا علموا أنهم يبرءون منهم حتى قالوا: من لم يفعل كفعلنا فهو مخالف للمسلمين، ممن ضل كضلالهم، فهو موافق للمسلمين نبرأ لله من هذا، وننكره لوجه رب العالمين.

واعلم أنه حرام عليك أن تبرأ من أبي جهل بن هشام لعنه الله باسمه وعينه، وأنت لا تعلم أنه مشرك من أجل إذ سمعت طوائف من المسلمين يبرءون منه، ومن أجل إذا علمت أنهم يبرءون ويشهدون عليه بأنه كان مشركا، وبأنه كان محاربا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وبأنه قتل يوم بدر على محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز لك في الأثر أن تقبل شهادة من برئ منه من بعد أن سمعته يبرأ منه على الحدث الذي برئ منه.

ولا يحل لك أن تبرأ من أبي جهل عدو الله باسمه وعينه على هذه الصفة من غير علم منك بأنه مشرك إلا اتباعا وتقليدا لمن برئ منه من المسلمين، ولكن عليك أن تبرأ من المشركين ومن طبقة المشركين، ومن جميع المشركين مجملا في جملتك، ولا يحل لك أن تبرأ من أبي جهل لعنه الله بهذه الصفة حتى تعلم أن أبا جهل مشرك، وأنه قتل يوم بدر في

١٬٤٨٥ / ٤٬٣٨٩