بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٥٧

الجنة حيث يقول: * (*وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُواْ نَعَمْ*) *(1) فأخبر عن قولهم ولم يقولوه، ولكن سيقولون، ولم يكن معه ذو روح يتنفس، ولا شيء مسمى، إلا ما سبق في علمه، ثم أظهر الخلق، فمن الخلق ما أظهره بتصويره مثل السماء والأرض والملائكة والجبال وسائر الخلق، وأما ما أظهره بتقديره فهو المسموع والملفوظ.

وقول المسلمين في قول الله: * (*إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ*) *(2) إن ذلك مشيئته، إذا شاء الله تقدير شيء سبق في علمه، وعزم على تكوينه في وقته الذي سبق في علمه أنه سيكونه، كان بلا لفظ، ولا حركة ولا بطش ولا معالجة، سبحان الله وتعالى، إن الله تبارك وجهه الأشياء منشأة في علمه، لا يبدو منها الشيء بعد الشيء ولا تخطر لله الخواطر، ولكن سبق في علمه كونها بمشيئته في أوقاتها المعلومة، فإن قال قائل كيف يقول: * (*إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ*) *(3) ويريد أن يثبت أن الله لافظا ناطقا سبحان الله عما قال، والحجة عليه أن الله قال لإبراهيم: * (*وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا*) *(4) فإن قال: الله نادى إبراهيم بذاته فقد أعظم الفرية على الله، وإنما ذلك جبريل نادى أن يا إبراهيم بأمر الله، ولهذا حجج كثيرة يطول فيها التفسير ويطول فيها الكتابة.

(1) من الآية 44 من سورة الأعراف.

(2) الآية 82 من سورة يس.

(3) الآية 40 من سورة النحل، وقد ورد في الأصل: "إنما أمرنا لشيء … "إلخ تحريف.

(4) الآية 104 وبعض 105 من سورة الصافات.

١٥٦ / ٤٬٣٨٩